الصفحة 313 من 384

الأصلي والتي ينظر إليها البلاغيون على انها خلة جديد من أجزاء متعددة مجتمعة في صورة شكلية هي المدخل لكل ذلك.

فالمباشرة تكون بالاقتراب من الواقع أكثر مما تفعله اللغة الاعتيادية دون تحقق الاتصال الفعلي بها جارحة لكي تسمو اللغة المجازية على العادية وصولا للمعنى الجمالي. ففكرة (الكرم) معروفة ومشهورة وهي العطاء والمنح ولها الشعراء المختصون بغرضها في القول عنها. لذلك كان (فالكرم) من لمعاني المركزية، لكن الفكرة نفسها (المنح والعطاء) في الأسلوب المجازي صور العلاقة مباشرة باليد المانحة والتي هي أكثر بروزا للحالة من معنى الكرم المجرد. وهذه هي الدقة في عكس الواقع من دون الاعتماد على الأسلوب التقليدي، استنادا إلى الاعتبارات اللغوية الموحدة بين القائل والمتلقي مع صحة الربط الذهني لكي تتم العملية الإدراكية بصورة سليمة وتامة.

والأسلوب المجازي ليس وضعا جديدا للألفاظ وإنما هو توليد جديد للمعاني بصيغ فنية عميقة جوهره العلاقة التلازمية على اختلاف نوعها المجازي ولهذا يقال: (( إن الفكرة ليست مهمة أبدا. المهم هو التمسك بالفكرة، من خلال التأثير التحولي المطلق لإقحامها في وضع لا لبس فيه ) ) [1] .

ولأن المهم هو التمسك بالفكرة تنوعت أساليب تصوير المعاني المتجسدة في الألفاظ مما أوجد سياقات متعددة تمثل تلك التنوعات الصورية المجازية المعنوية في الذهن الذي يعبر عنه لفظيا.

قال الجرجاني: (( لما كانت المعاني إنما تتبين بالألفاظ وكان لا سبيل للمرتب لها، والجامع شملها إلى أن يعلمك ما صنع في ترتيبها بفكرة إلا بترتيب الألفاظ في نطقه تجوزا فكنوا عن ترتيب المعاني بترتيب الألفاظ، ثم بالألفاظ بحذف الترتيب ) ) [2] .

ولهذا لا يعرف معناها إلا بالتأمل والتأويل فالألفاظ في نظمها لم ترتب لتعبر عن المعنى مباشرة. ولا يتحقق فيها تناسق المعنى والتعبير إلا بملائمة التركيب

(1) اللغة في الأدب الحديث: 72.

(2) دلائل الإعجاز: 50 - 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت