ولذلك (( عطفت الآية بـ(ثم) مع قسوة القلوب التي لا تدل هنا على التراخي الزمني، بل تدل على الإصدار والتصميم وعلى استبعاد وقوع القسوة بعد جلاء الآية )) [1] .
ومن التشبيهات القرآنية أيضًا قوله تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} [2] . فحسية التشبيه في الطرفين وكلاهما مرئيان تشبيه غني جدًا فعلى الرغم من حسيته عبر عن معنى مهم جدًا وهو مآل كل شيء للزوال والموت ورجوعه إلى الله تعالى ويتبع لقدرته.
ومن الجدير بالذكر أن من الاعتبارات المهمة في تحقيق البلاغة الفنية في الدلالة المركزية هي فصاحة الألفاظ، وصحة المعاني ودقة اختيارها مما يكون نصوصًا بليغة بدلالة ذوقية محققة لغرضها المطلوب. فجميع ما ذكرته من النصوص والأشعار تحققت فيه هذه الصفات وانطبق عليها ما اشترطه البلاغيون من شروط في فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني فمن شروطهم في الألفاظ، قول العلوي: (( أن تكون جارية على العادة المألوفة فلا تكون خارجة عن الاستعمال، فتكون شاذة عن الاستعمال المطرد في معناها ... ) ) [3] .
ومقياس فصاحة اللفظة يكون بالتزامها بالعرف العربي، مع قرب معناها وينطبق ذلك على الدلالة المركزية فقط ولهذا انتقد ابن الأثير هذا الشرط فهو لا يسمح باستعمال اللغة في معان أبعد.
إذ قال: (( فليس ذلك مما يوجب لها حسنًا وقبحا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بها ينقله من الألفاظ فيكف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة ) ) [4] .
والتزام الدلالة المركزية معناها حقيقة هو ما أشترطه أبن سنان حين قال: (( وضع الألفاظ موضعها حقيقة، أو مجازًا لا ينكره الاستعمال ولا يبعد فيها ) ) [5] . فالاستعمال الحقيقي غير البعيد هو ما استندت عليه.
(1) ينظر: التصوير البياني، محمد حسين أبو موسى: 27.
(2) سورة يس: 39.
(3) الطراز: ج1/ 113. وينظر المثل السائر: ج1/ 141.
(4) المثل السائر: 227.
(5) سر الفصاحة: 103.