يفضح الشمس كلما زرت الشمـ ... سُ بشمسٍ منيرة سوداء
قالوا: (( الشمس لا تكون سوداء، والإنارة تضاد السواد ) ) [1] . ولا يخفى على أحد قوة إضاءة الشمس، ولونها المعروف بلون النار الأصفر فمن أين يأتي لها السواد إلا من خيال الشاعر المتحفز من إحساسه بأن نور حبيبته أقوى من نور الشمس حتى بالغ في ذلك وجعل الشمس سوداء بالنسبة إلى نور حبيبته وأراد بذلك أيضا علو الشأن والمنزلة.
وهذه المواقف أو الأحكام الطارئة على الشعراء تصح في زمن بعينه وموقف معين أي في زمن حدوث الإحساس الخاص والموقف النفسي الذي ساعد مع التهيؤ الداخلي للفنان بإبراز تلك الدلالات الفردية، وهذا ما يعرف في علم النفس الحديث بـ (( الإمباثية ) )، أو (( التقمص الوجداني ) ) [2] . أي محاولة تجسيد الإحساس الوجداني بصيغة جمالية فنية.
وتمثلت الدلالة الهامشية لدى الفنان بخروجه عن المألوف في الاستعمال الدلالي للمفردة ليس بتغيير في معناها فقط وإنما بتغيير مجالها الدلالي أيضا أثار كثيرا من اعتراضات النقاد على الشعراء ما يسمى بـ (( التناسب ) ) [3] . وهو أن تنتظم المفردة معنويا مع مجاوراتها في كيفياتها المتعددة، لأن السياق الذي هي فيه هو ما يحدد معناها مع باقي الكلام والمعنى المطلوب.
ومن أمثلة ذلك ما استضعفوه من معاني الأعشى في قوله:
فرميت عقله عينه عن شاته ... فأصبت حبة قلبها وطحالها
إذ قال المرزباني: (وقد عابه قوم بذلك لأنهم رأوا ذكر القلب والفؤاد والكبد يتردد كثيرا في الشعر عند ذكر الهوى والمحبة والشوق وما يجده المغرم في هذه الأعضاء من الحرارة والكرب ولم يجدوا الطحال استعمل في هذه الحال إذ لا صنع
(1) الوساطة: 487.
(2) مبادئ النقد الأدبي، ريتشاردز: 52.
(3) ظلال المعنى: 74.