وكان الآمدي في مقدمة هؤلاء الذي رفضوا أي مبالغة وقد أتضح ذلك جليًا في موازنته، وما جاء فيها من رفض لاستحداثات أبي تمام وانزلاقه عن المتعارف من سنن العرب، إذ قال: (( كل ما دنا من المعاني من الحقائق كان ألوط بالنفس، وأحلى في السمع، وأولى في الاستجادة ) ) [1] . أي قرب المعاني من الحقائق التي عرفها العرب في كلامهم.
لذا فهما في رأيه مختلفان:
(( لأن البحتري إعرابي الشعر مطبوع وعلى مذهب الأوائل وما فارق عمود الشعر المعروف، ... .. ولأن أبا تمام كان شديد التكلف صاحب صنعة ويستكره الألفاظ والمعاني وشعره لا يشبه شعر الأوائل، ولا على طريقتهم لما فيه من الاستعارات البعيدة والمعاني المولدة ) ) [2] .
ولا يختلف كثير من النقاد الآخرين في موقفهم من المبالغة في التشبيهات، أو اعمال الفنون المجازية يتطور أكثر عما كانت عليه عند الشعراء القدامى ضمن الإطار الذي تحدد لهم من النقاد السابقين في الذكر آنفًا ومهم أيضًا المرزباني [3] والجرجاني [4] والعسكري [5] .
الذين رددوا كلام السابقين في ضرورة قرب التشبيه وعدم المبالغة في استعمال المجازيات على خلاف ما جاء به القدماء.
وموقف النقاد هذا من التشبيه البليغ الذي تتجلى فيه المعاني الثواني وهي موضع البلاغة فيه يؤكد المعاني الأول بصفتها قاعدة ذهنية لكل المعاني -كما توضح ذلك في موضعه في الحديث عن الدلالة المركزية- يمكن أن يتفرع عنها معان تصبح طبقة إضافية إليها تمنحها قوة من حيث التجديد والتأكيد، تتمثل فيه حدة وتزمتًا في التمسك الحرفي بالقاعدة الذهنية المتوارثة عن العرب القدامى في التشبيه بكل ما هو حسي تجريدي لا يمكن تخطيه إلى ما هو أبعد وأمكن في النفس
(1) الموازنة: 1/ 151.
(2) الموازنة: 1/ 6.
(3) الموشح: 387، 39، 384.
(4) الوساطة: 33، 429.
(5) الصناعتين: 256، 248، 277.