عصرهم، على حين كانوا يرفضون ذلك، بميلهم إلى الاقتصاد والصدق عن طريق التمسك والاحتكام (بطريقة العرب وأساليبهم) في التشبيه بكل ما هو معروف، ومألوف من الحسيات وعدم قبول ما خرج منه إلى ما ليس بمحسوس.
-كما لاحظنا ذلك في قضية (عمود الشعر) ضمن شرف المعنى وصحته والإصابة في الوصف- وقال ابن طباطبا في ذلك: (( إن العرب أودعت أشعارها من الأوصاف والتشبيهات والحكم ما أحاطت به معرفتها، وأدركته عيانها، ومرت به تجاربها، وهم أهل وبر صحونهم البوادي وسقوفهم السماء، فليست تعدو اوصافهم ما رأوه منها وفيها) [1] . فمضمون الشعر في الوصف والتشبيه لديهم، هو نقل الجزئيات العالم الحسي الخارجي لديهم وتقديمه كما هو من دون تحوير، أو اغراب، أو إبداع.
ولهذا يرى قدامة: (( أن أحسن الشعراء وصفًا وتشبيهًا من أتى بأظهره فيه، وأولاها، حتى يحكيه ويمثله للحس بنعته ) ) [2] . فتقدم الشاعر أيضًا لتمسكه بالمألوف من التشبيهات، مثلما فعل الشماخ في قوله:
خلت غير آثار الأراجيل ترتمي ... تقعقع في الآباط منها وفاضها
فقد استقصى في الوصف حال الرجالة وبين عن أفعالها بقوله: ترتمي، وعن حال سرعتهم في السير حتى سمع تقوقع الوفاض (أوعية السهام ودل على موضعها، حيث قال: في الآباط، فاستوعب كل جوانب المشاهدة لما رأى وأتى من صفاتها بأولها وأظهرها عله، حتى باتت كأنها مرئية) [3] .
ونظرة قدامة المنطقية البحتة التي اعتمدت على الاتحاد الكامل بين المشبهين جعلته يحتكم -وهو يعالج التشبيه- إلى المألوف ويعد كل ما خرج عن ذلك المألوف من عيوب المعاني التي سماها (( مخالفة العرف والإتيان بما ليس في العادة والطبع ) ) [4] .
(1) عيار الشعر: 10.
(2) نقد الشعر: 62.
(3) ينظر: نقد الشعر: 62 - 63.
(4) نقد الشعر: 302.