تنافس الليل فيه والنهار معا ... فقمصاه بجلباب من المقل
ثم جاء بعده من استخرج من هذا معنى غريبا فقال:
ونقطته حباء كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرمل بالحدق
فالوصف في كلا البيتين لجلد الفهد في تباين لونه الغامق والفاتح. ورسم دائري بهذه الألوان فقد شبهها بالعيون، إلا أنه في البيت المولد علل ذلك بأنها حباء نقطته لينتفع منها في صيده النعاج بتلك الحدق الموزعة في جلده.
كذلك قول امرئ القيس وهو معنى مخترع.
سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب ماء حالا على حال
فقال عمر بن أبيي ربيعة مولدا منه معنى جديدا:
فأسقط علينا كسقوط الندى ... لليلة لا ناه ولا زاجر
(( فولد معنى مليحا اقتدى فيه بمعنى امرئ القيس، من دون أن يشركه في شيء من لفظه، أو ينحو نحوه إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفية ) ) [1] .
وهذا دأب غالبية النقاد القدماء في تداول المعاني بين الشعراء، وعدها من الأمور اللازمة للإبداع، إذ (( ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم ) ) [2] . على أن تختلف صياغة الألفاظ وطريقة تأليفها. إذن فحتى مبتدعهم ومخترعهم يصب في الدلالة المركزية بما يعكسه من معان مفردة، أو مركبة، أو بما يمثله ويتخيله الشاعر والمتلقي من صور ذهنية تعتمد على المعاني المعروفة بها، أو تحاول تقريبها بما يبعد عنها إلا أنه قريب في الواقع. حسي المباشرة يمكن جمعه بما يقاربه من المعاني الذهنية فتتكون التشبيهات أو الصور من أجزاء حسية وأجزاء معنوية من أجل تقريب ما هو بعيد، وعكس جمالية الذوق بما هو قريب لتأدية الغرض المطلوب، وهو سلامة الذوق الفني، والإحساس به، وصحة الإدراك العقلي للمعاني.
(1) العمدة: 1/ 263.
(2) الصناعتين: 202.