ولعموم هذه المعاني تعد محمية لما تتعرض له باقي المعاني، كالسرقة والحجر، والتفاضل، (( وهذا القسم لا سرقة فيه، ولا حجر في أخذ معانية لأن الناس في وجدانها ثابتة مرتسخة في خواطرهم سواء ولا فضل فيها لأحد على أحد إلا بحسن تأليف اللفظ ) ) [1] .
وبهذا نستطيع أن نقول إن حازم القرطاجني قد استوفى جميع نواحي هذه الدلالة، وقد أنفرد في ذلك عن النقاد.
وهذه الدلالة إذن خالية من الفردية، والأمور النفسية الخاصة، والتعدد المعنوي والطراوة الدلالية التي تسمح بانزياح مفهومها إلى غيره، ولا تسمح بتجاوز طبيعتها الأصلية.
وكل هذه الأوصاف التي خلت منها الدلالة المركزية يخلو منها اللفظ الذي عن طريقه استحصل معنى هذه الدلالة، وكذلك كل ما احتوته هذه الدلالة من صفات أهلتها المرتبة المركزية توفرت في اللفظ الذي عبر به عنها.
مكتسبًا هذه الصفات بالطريقة نفسها التي وصل فيها المعنى، أو هذه الدلالة إلى تلك المرتبة. كشيوع تداوله، وتمركزه في الأذهان مما يجعله يتبادر إلى اللسان أوسع من غيره، استغراقه للمعنى كله، سهولة استعماله، وضوح دلالته، وغيرها من الصفات التي أشار إلها النقاد في كتبهم.
إن فصل عناصر هذه الدلالة عن بعضها لا يقصد بها أن بإمكانها أن تعمل منعزلة، ومجزئة، وإنما وصولًا إلى إدراك العلاقة والكيفية التي تعمل وتكمِّل هذه العناصر فيها بعضها بعضًا ضمن هذه الدلالة كلية. وذلك عملًا بما أدركه النقاد الذين أخذوا بمقولة (( اللفظ جسمٌ وروحه المعنى ) ). قال العتابي (220هـ) (( الألفاظ أجساد والمعاني أرواح ) ) [2] . كذلك قول أبن طباطبا العلوي (322هـ) : (( الكلام الذي لا معنى كالجسد الذي لا روح فيه، كما قال بعض الحكماء: (( الكلام جسد وروح، فجسده النطق وروحه معناه ) ) [3] .
(1) المصدر نفسه: 192.
(2) الصناعيين: 167.
(3) عيار الشعر: 16.