فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 257

الأول: الألفاظ العامة

1 ـ عموم الإنسان (الذكر والأنثى)

(الناس)

جماع لعامة النوع الإنساني، لا مفرد له من لفظه، بل من معناه، وهو لفظ (الإنسان) ويمتاز الناس بالألفة، والحركة، وهذه الصفات تتعلق بالمعنى الأصلي لهذا اللفظ، فهو مأخوذ (( من ناس ينوس إذا اضطرب ) ) [1] وتحرك، ويمتاز ـ فضلا عن ذلك ـ بما يميز الإنسانية [2] من سائر المخلوقات.

وقد ورد لفظ (الناس) في القرآن (240مرة) كان في جميعها معرفا بـ (أل) [3] . وتعددت السياقات التي تضمنت هذه اللفظة، وبسبب من هذا تعددت إشاراتها، غير أنَّ سياق خطاب الكفار والتوعد بعذابهم هو المهيمن على استعمالها، فجاءت (س136 مرة) في هذا السياق، ومن ذلك قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [4] . وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [5] ولعل الدلالة الثانية التي يمكن الإمساك بها في هذا الاستعمال انه ينبه على الضعف الذي عليه الإنسان، ومن ثم يثير حفيظته النفسية على ذاته التي لم تخلق لتتناسب مع النار، فدلالة الفحوى الرقة والرشاقة التي تنتظرها النار. أما الغباء وعدم الانتفاع بالعقل وجمود الشعور فمما يلازم دلالة هذه اللفظة في هذا السياق.

وقريب من هذا قوله تعالى: {يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [6] . فإن استعمال (الناس) في سياق التبليغ بولاية علي بن أبي طالب (( ) يوحي بالبغض والاتفاق على الشر ومحاولة الفتك. هذا إذا كان (الناس) على إرادة العموم، ويبقى من أنيق عبارة القرآن الكريم أن عبّر عن الواحد بلفظ (الناس) كما في قوله تبارك اسمه: {الَّذينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [7] ، في ذلك عنصر إدهاش وإضافة دلالية إيحائية متمثلة في محاولة إشاعة الفكرة والرأي وتصور الغلبة.

ومنه قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ - مَلِكِ النَّاسِ - إِلَهِ النَّاسِ - مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ - الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ - مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [8] . ويوحي هذا الاستعمال بالمخاوف وتدني الإيمان والوعي، والميل إلى الذنب [9] وهذه الإيحاءات ما يهيمن على الاستعمال القرآني لهذه اللفظة.

(الإنسان)

الإنسان والإنسي من مادة واحدة في المعجم العربي، ويشتركان في الدلالة على ما يخالف التوحش [10] ، فتتفق عند هذه الدلالة، كما في الاستعمال القرآني. يقول تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [11] . ويشهد التقابل الدلالي بين (الجن) و (الإنس) [12] على اختصاص الأول بالخفاء والوحشة، واختصاص الثاني بالظهور [13] والألفة.

أما (الإنسان) فيستعمل للدلالة على خلق الله تعالى من آدم (( ) وذريته، ويُسمى الإنسان إنسانا (( لأنه خلق خلقة لا قوام له إلاَّ ان يأنس بعضهم ببعض من حيث لا قوام لبعضهم إلاَّ ببعض، ويمكن أن يقوم بجميع أسبابه. وقيل سمي بذلك لأنه يأنس بكل ما يألفه ) ) [14] .

ومن (الإنسان) في الاستعمال القرآني (36مرة) ، في سياقات متفاوتة، يمكن جمعها في ثلاثة سياقات: الأول، ذكر خلقه عموما وقدراته البدنية والعقلية، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ - وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ - وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [15] .

وقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [16] . فنبه هنا على خلق النوع الإنساني وعقله.

أما السياق الثاني، وهو الرئيس، فسياق الكسب والتكليف والابتلاء، ومنه قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [17] ، وقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ

(1) المفردات (نوس) 531، وينظر. اللسان (نوس) 6/ 245.

(2) ينظر. ظاهرة الترادف في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم 36.

(3) ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 726 - 729.

(4) المائدة / 82.

(5) البقرة / 23 - 24.

(6) المائدة / 67، وينظر. المائدة / 116.

(7) البقرة /213، وينظر. يونس/ 19. وينظر. الوجوه والنظائر في القرآن الكريم - تاريخ وتطور (رسالة ماجستير) / عبدالرحمن مطلك الجبوري 174 - 175.

(8) الناس / 1 - 6.

(9) ينظر. منة المنان في الدفاع عن القرآن 1/ 44.

(10) ينظر. المفردات (انس) 24، ظاهرة الترادف في ضوء التفسير البياني للقرآن الكريم 15.

(11) الأنعام /128.

(12) لقد حرص السياق القرآني على ذكر الجن والإنس معا / ينظر. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم 93، ولا يخفى أثر هذا التلازم الدلالي تأكيد دلالة الخفاء للجن والظهور للأنس.

(13) ينظر. المفردات 24، التفسير البياني للقرآن الكريم / د. عائشة عبد الرحمن 2/ 81.

(14) المفردات 24.

(15) الحجر / 26، وينظر. النساء /28، المؤمنون/12، السجدة /7، الرحمن/14، البلد/4، التين/4.

(16) العلق /1 - 5، ونظر: النساء /28، الرحمن /3.

(17) النجم /39، وينظر. الإسراء /11 (مرتين) ، الزمر /8، 49، فصلت /49، 51، ق / 16، الشمس 24، القيامة /5، 10، 13، 14، 36 النازعات /35، الانشقاق / 6، الفجر /23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت