الصفحة 98 من 197

وأهمُّ من بيانِ حال الذين كفروا به لمَّا جاءهم. فاكتفاءُ النصِّ بما هو عليه مطابقٌ تماما لدلالتِه. لذا سيقَ النظمُ على هذه الهيأة، لِهذا المعنى الدقيق، واللهُ أعلم.

وقد ذكر المفسرون - تخريجًا وتأويلًا لقولِه تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ .... ] - آراءً عديدةً [1] منها قولُ الطبري: (( أَولى الأقوالِ عندي بالصوابِ أنْ يُقالَ: هو مِما تُركَ خبرُه اكتفاءً بمعرفةِ السامعين بمعناه ) ) [2] .

4 -الجملة المكتفية بـ (لا) النافية للجنس واسمِها:

ومن هذا النوع من الاكتفاء قولُه تعالى: [فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ، فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ] [الشعراء/46 - 50] . فقد اكتفَى قولُه تعالى على لسانِ هؤلاءِ المؤمنين بردِّهم على فرعونَ - غير آبهين بوعيدِه إياهم، ولا مرعوبين من طريقةِ تخويفِهم بهذه الصورة المروِّعة من التعذيب - بقولِهم أوَّلًا: [لاَ ضَيْرَ] ، دونما تحديدٍ لمقصودٍ بعينِه يُنفَى عنه هذا الضيرُ، أو المضرَّةُ والضَّرر، لأنهم لم يريدوا أنفسَهم فقط. لذا لم يقولوا: (لا ضيرَ علينا) ، ولم يريدوا غيرَهم فقط دونَ أنفسِهم. لذا لم يقولوا: (لا ضيرَ عليكم) ، أو (لا ضيرَ عليهم) ، بل شملوا بنفيِ جنسِ الضرر - مطلقًا - كلَّ مَنْ آمنَ باللهِ تعالى، وبرسالةِ النبيِّ موسى (عليه السلامُ) ، مِمَّن توعده فرعونُ بعذابِه، بدليل قولِه تعالى على لسانِهم: [إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ] ، مشيرين لِمَنْ سواهم إلى حسنِ منقلبِهم، وفوزِهم، وأنَّ إنكارَ العبوديةِ لفرعونَ، والفَلَجَ هو من النصرِ والفوزِ الذي لا يضُرُّ معه أيُّ جنسٍ مِما يُضِرُّ، واللهُ أعلم.

ومِما تجدُرُ الإشارةُ إليه أنَّ جملةَ (لا) النافية للجنس يُكتفَى فيها بـ (لا) نفسِها وبـ (اسمِها) - كما يُسمَّى - فقط في لهجةِ تَميم [3] .

(1) ينظر: فتح القدير519:4. وزاد المسير262:7. والبرهان63:3 و140.

(2) تفسير الطبري129:24.

(3) ينظر: المقتصد800:2. وشرح المفصل107:1. ولهجة تميم وأثرها في العربية الموحدة، غالب فاضل المطلبي254 - 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت