الصفحة 71 من 197

إنَّ في هذا الضرْبِ من النظم مبالغةً وتشديدًا ظاهرَين، فالسامعُ (( مع أقصَى تخيُّلِه، يَذهبُ فيه الذهنُ كلَّ مَذهَبٍ. ولو صرَّح بالجواب لوقَفَ الذهنُ عند المصرَّحِ به، فلا يكونُ له ذلك الوقعُ ) ) [1] .

7 -العلم بالجواب:

لعلَّ في عنوانِ هذا السبب نفسِه ما يجعلُه واهيًا ضعيفًا. وقد جُعِل منه قولُه تعالى: [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ] [النور/10] ، وما شابَهه، فقد ذهبَ البغويُّ إلى تقديرِ جوابٍ مزعومٍ بقولِه: (( لعاجلَكُم بالعقوبةِ ) ) [2] . وقدَّره ابنُ الأثير بقولِه: (( لمَا أنزل عليكُم هذا الحكمَ بطريق التلاعن ... ) ) [3] . في حين أورد الزركشيُّ عن هذا النصِّ الكريمِ قولَه: (( قال الواحديُّ: ... قال المبرّدُ: تأويلُه - والله أعلم -(لَهَلَكُْتم) ، أو (لم يبْقَ لكم باقيةٌ) ، أو (لم يصلُحْ أمرُكُم) ، ونحوَه من الوعيد الموجِعِ، فحُذِف لأنه لا يُشكِلُ. وقال الزجَّاج: المعنى: (لنالَ الكاذبَ منكم أمرٌ عظيمٌ) ، وهذا أجودُ مما قدَّره المبرّدُ ... وقدره بعضُهم ...: لافتضَحَ فاعلُ ذلك )) [4] .

وليت شعري أيُّ علْمٍ بالجوابِ هذا الذي يجعَلُ الواحديَّ يقولُ -كما نقلَ الزركشيُّ-: (قال المبرّدُ ... وقال الزجّاج ... وهذا أجودُ مما قاله المبرّدُ ... وقدّره بعضُهم) ، ويجعلُ كلاًّ من البغويِّ وابنِ الأثير يوجِّهانِه توجيهَين آخرَين مستقلَّين؟!! فكلُّ هذا زعْمٌ، وتخمينٌ، وظَنٌّ، لا عِلْمٌ، فهؤلاءِ الأعلامُ - وهم على أعلَى درجاتٍ من العلم - لم يعلمُوا بالجوابِ، ولَم يتَّفقوا بشأنِه. ولو كان الأمرُ معلومًا ظاهرًا - كما يقولون - لكانَ قولُهم فيه قولًا واحدًا!!.

لقد ورد هذا النصُّ الكريمُ ضمنَ قولِه تعالى: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ

(1) البرهان 183:3. وينظر: روح المعاني 101:11.

(2) تفسير البغوي17:1.

(3) المثل السائر102:2.

(4) البرهان 187:3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت