وباعتمادِ القاعدةِ النحويةِ، لا النصِّ القرآنيِّ، ذهبَ أصحابُ هذا الرأي إلى أنَّ الجملةَ الحاليةَ في قولِه تعالى: [أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ] [النساء/90] إنَّما هي بتقديرِ: (قَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهُم) . ومثلُها قولُه تعالى: [قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ] [الشعراء/111] ، بتقدير: (وقَدِ اتَّبَعَكَ) ، ومثلُها قولُه تعالى: [كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ] [البقرة/28] ، بتقدير: (وقَدْ كُنْتُم) ، وسواها مِما يُماثلُها من الآيات [1] .
ومِما تجدرُ الإشارةُ إليه أنَّ دلالةَ النصِّ لا تقتضِي (قَدْ) مقدَّرةً - أصلًا- فلو كانتْ مُرادةً لأُظْهِرَت. فدلالةُ الفعلِ (حَصِرَتْ) أيْ: ضاقَتْ، مجرَّدًا عن (قَدْ) المزعومةِ، تُبيِّنُ حالَهم التي هم عليها سابقًا، وهم (بنُو مُدْلَج) ، لأنهم لم يَشهَدُوا للرسولِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه رسولُ اللهِ، ولا يُريدون قتالَه مع قومِهم [2] ، لا التي هم عليها حالَ مجيئِهم، وإذا كانت حالُهم هذه من عدمِ الإذعانِ والإيمانِ والطاعةِ هي الأمرَ الثابتَ على ما مضَى أصلًا، فهي الحالُ المستمرَّةُ معهم التي لا يَحتاجُ الإخبارُ عنها إلى دليلٍ مقالي، وبالتالي فلا مُسوِّغَ لزعمِه أبدًا.
إنَّ (قَد) حرفٌ يفيدُ توكيدَ مضمونِ الجملةِ الفعليةِ التي تليه [3] ، نحو قولِه تعالى: [وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا] [البقرة/246] ، فعدمُ ذكْرِها قبلَ الجملةِ الحاليةِ ذاتِ الفعل الماضي يدلُّ على عدمِ إرادةِ توكيدِها. وأنَّى يكونُ التوكيدُ بِما لم يُلفظ أو يُكتب؟ لذا لا يُمكن الركونُ إلى ما ذهبَ إليه النحويون الموجِبون تقديرَها إن لم تُذكر، فمذهبُهم - هذا - يَعدِلُ بدلالةِ النصِّ من عدمِ إرادةِ توكيدِه وكونِ الخبر فيه ابتدائيًّا لا يُنكِرُ السامعُ شيئًا منه، إلى كونِه مؤكَّدًا بـ (قَد) ، وكونِ الخبر فيه طلبيًّا يحتاجُ السامعُ فيه إلى مؤكِّدٍ واحدٍ ليصدِّقَ بمضمونِ الجملة.
أما مذهبُ الكوفيين - إلاَّ الفراء - فهو عدمُ التقدير، إذ (( لا حاجةَ إلى تقديرِها، وهو الأظهر ) ) [4] . وهو المذهبُ الأجدرُ بالأخذِ والالتزام.
(1) ينظر: معاني القرآن، الفراء24:1 و282. ومفتاح العلوم 45. ومغني اللبيب636:2.
(2) ينظر: تفسير العياشي، محمد بن مسعود السلمي العياشي، تح: هاشم المحلاتي262:1. وأصول الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني327:8.
(3) ينظر: الكتاب307:2 (ط/ بولاق) . وشرح المفصل147:8. وشرح الكافية387:2 - 388.
(4) الجنى الداني256.