الصفحة 43 من 208

ومن ذلك قوله - عز وجل: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [1] ولو عدنا الى موقع المفردات اعتمادًا على الثوابت النحوية لكان يجب أن نقول في غير القرآن: (ولم يكن احد كفوًا له) ، فقد كان المسند في الآية (كفوًا) متقدما على المسند اليه (احد) ونتج عن هذا التقديم ثراء لفاعلية اللفظة المتقدمة ودعم لنماء الفكرة، لأن مقدرة المبدع على الاختيار وبناء العلاقات الثرية البكر يمكن أن تحقق غاية الاسلوبية في بنية التركيب النحوي من خلال الخروج عن الثوابت النحوية [2] ، واللذين نستدل منهما على اغراض المتكلم في ايصال معانيه الى المتلقي.

وان دراسة تقديم المفردات وتأخيرها"من صميم البحث الاسلوبي على مستوى التركيب، فهناك ترتيب معتاد مبتذل يطرق الذهن كثيرا وهذا الترتيب يمكن مخالفته ولكن مجرد المخالفة - كما يقول فندريس - ينبئ عن غرض ما، ذلك الغرض هو ابراز كلمة من الكلمات لتوجيه التفات السامع اليها" [3] ،"إذ باستطاعة المبدع أن يخلق من البنى ذات القوة التعبيرية مايشاء سواء التزم الثوابت او انتهكها، واذا كانت الثوابت متناهية فإن مايتشكل منها من معانٍ غير متناهٍ" [4] .

وقد أسهم التفات سيبويه الى ترتيب الالفاظ داخل بنية التركيب النحوي في توجيه عبد القاهر الجرجاني، الذي اشترط ان يكون اختيار الكلمة متوافقا بين بنيتها الشكلية وبنيتها الداخلية بحيث تتيح للمبدع مرونة التعبير عن حسن الاختيار [5] .

فالتقديم والتأخير عند عبد القاهر"باب كثير الفوائد جم المحاسن واسع التصرف بعيد الغاية لايزال يفتر لك عن بديعةٍ، ويفضي بك الى لطيفة، ولاتزال ترى شعرًا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك ان قدم"

(1) سورة الاخلاص، الآية: 4.

(2) ينظر: في البنية والدلالة: 135.

(3) اللغة والابداع الادبي، الدكتور محمد العبد: 13.

(4) في البنية والدلالة: 135 - 136.

(5) ينظر: الاسلوبية في دراسات الاعجاز القرآني حتى القرن السادس الهجري: 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت