الصفحة 170 من 208

المبحث الثالث

الاسلوب والسياق والمقام

انّ اللغة لايمكن أن تقف عند استعمال الكلمات المفردة، وانما ترتيب تلك الكلمات في تراكيب واختلاف معانيها تبعًا للمعنى المقصود في العبارة التي ترد فيها لذلك لايمكن أن يفهم الكلام من الفاظ مفردة"لأنّ الالفاظ المفردة التي هي اوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في انفسها، ولكن، لأن يضم بعضها الى بعض فيعرف فيما بينها من فوائد" [1] .

والالفاظ لاتؤخذ دوالّ لذاتها بل تؤخذ دلالتها من خلال ارتباطها مع جيرانها [2] ، والكلمة عندما تدخل في تركيب ما، فإنها تكتسب قيمتها من مقابلتها لما يلحقها من كلمات او يسبقها [3] ، وان أي تغيير في بنية التركيب النحوي ماهو الا استجابة لحاجات المتكلم لكي يعبر عما يفكر به من معانٍ وذلك"لأن كل عنصر لغوي مكانه في نظام معين او وظيفة او قيمة تستمد من العلاقات التي يرتبط بها مع العناصر الأخرى من ذلك النظام" [4] .

فالعلاقة بين التركيب والسياق قوية متشابكة ولاوجود لاحداهما من دون الاخرى، لأن اجتماعهما يؤدي الى التعبير عن (المقام) او (الموقف) الذي يريد المتكلم ايصاله الى المتلقي وذلك يعد من اساسيات الاسلوبية الحديثة التي تهتم بدراسة النص وأثره في المتلقي سواء أكان عن طريق السماع أم القراءة، كما أن عملية وصول المقصود الى المتلقي ليست بالعملية السهلة، ولذلك قامت الدراسات الاسلوبية الحديثة بتناول حركة النص بين المتكلم او المبدع والمتلقي من خلال نظرية التوصيل وحددت طرقها في ضوء الدراسات اللغوية (اللسانية) الحديثة.

وفي كتب البلاغيين الاوائل نجد اراء وتنظيرات هامة تناولت النص ودرسته بإسهاب وحددت قدرته على التوصيل واثره في المتلقي من خلال فكرتين اساسيتين دارت في اكثر كتب البلاغة والنقد، هما: (المقام) و (المقال) ، اذ لايريدون من المقام

(1) دلائل الاعجاز: 469.

(2) ينظر: اللغة بين العقل والمغامرة، الدكتور مصطفى مندور: 97.

(3) ينظر: نظرية البنائية في النقد العربي، الدكتور صلاح فضل: 39.

(4) علم الدلالة، جون لاينز: 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت