أما مايخص هذا المبحث فهو ادخال (ما) التي تكفها عن نصب المبتدأ ورفع الخبر في التركيب الاسمي، لما لها من أثر اسلوبي في تغيير معنى التركيب بما يتوافق مع قصد المتكلم في ايصال مايريده للمتلقي ومن ذلك اشارات سيبويه المتكررة في بحث هذا الباب اذ يقول في اعمال (أنّ) :"أما أنّ فهي اسم وماعملت فيه صلةٌ لها كما أن الفعل صلة لـ (أنْ) الخفيفة وتكون (أنْ) اسمًا ألا ترى أنك تقول (قد عرفت أنك منطلق) ، فـ (أنك) في موضع اسم منصوب كأنك قلت: (قد عرفت ذاك) " [1] .
والتقدير على كلام سيبويه (عرفت انطلاقك) ، فـ (أن واسمها وخبرها) بتأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل (عرف) .
وهذا ما يسمى المستوى النحوي للتركيب أي (ابلاغية اللغة) في نقل الخبر على وفق (القاعدة النحوية) من دون العدول في ترتيب اركان التركيب أي جاء بـ (الفعل ثم الفاعل ثم المفعول به) .
ويقول كذلك في اعمال (إنّ) :"تقول: (قال عمرو إنّ زيدًا خير منك) ذلك لأنك اردت أن تحكي قوله" [2] ، فهو يريد معيارية التركيب النحوي من خلال المستوى النحوي الذي يمثله.
ويقول في تمثيله على ذلك:"وكان عيسى يقرأ هذا الحرف: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [3] ، أراد أن يحكي" [4] ، وهو يريد الخبر، وفي الحالتين (أنّ، إنّ) تفيدان التوكيد وتعبران عن أغراض الخبر.
وخير مايمثل ذلك المحاورة التي جرت بين ابي العباس المبرد والكندي المتفلسف الذي قال مخاطبًا ابا العباس"إني لأجد في كلام العرب حشوًا فقال له ابو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: اجد العرب يقولون: (عبد الله قائم) ، ثم يقولون: (انّ عبد الله قائم) ، ثم يقولون: (انّ عبد الله لقائم) : فالالفاظ متكررة والمعنى واحد، فقال ابو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الالفاظ، فقولهم: (عبدالله قائم) ، اخبار عن قيامه، وقولهم: (ان عبد الله قائم) جواب عن سؤال سائل،"
(1) الكتاب: 3/ 119 - 120.
(2) الكتاب: 3/ 142.
(3) سورة القمر، الآية /10.
(4) كتاب سيبويه: 3/ 143.