الصفحة 141 من 208

فعندما يتقدم (الفعل) كان الشك في (الفعل) وعندما يتقدم متعلق الفعل (المفعول به) كان الشك في (المفعول به) ، وان هذا التقديم او اختلاف الترتيب ليس للعناية والاهتمام كما يشير الى ذلك سيبويه في كتابه [1] ، وانما لتوجيه معنى التركيب النحوي في التعبير عن اغراض المتكلم.

فالمطابقة بين التركيب والموقف تتطلب التصرف في ترتيب اجزاء التركيب لكي تكتسب العبارة صفة جمالية تتصل بالمعنى وتلونه وتصله بحالة المخاطب في أكثر الاحيان وبحالة المتكلم في القليل منها بحيث تؤثر هذه الحالة في اجزاء هذا التركيب سواء أكان التركيب فعليًا ام اسميًا ام خبريًا أم إنشائيًا [2] ، مما يكشف عن امكانات اللغة ويطورها وصولًا الى منهج اسلوبي في فهم اداء بنية التركيب للمعنى المقصود.

ففي التركيب الاسمي نقول: (أأنت فعلت؟ ) ونبدأ بالاسم كان الشك في الفاعل من هو وكان التردد فيه، لأن الغرض يختلف باختلاف مايليها فمعنى الاسم غير معنى الفعل والبداية بالفعل لاتكون كالبداية بالاسم [3] ، ومن ذلك قوله تعالى: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ} [4] ، فإن السؤال وقع عن الفاعل لا الفعل [5] . ومنه ايضا قول امرئ القيس في الانكار:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب اغوال؟ [6]

فهذا تكذيب منه لانسان تهدده بالقتل وانكار أن يقدر على ذلك ويستطيعه.

وان اختلاف الترتيب بعد الهمزة يحدث للتعبير عن المواقف المتعددة ولمطابقة بنية التركيب النحوي مع الواقع، ووضع الفعل أو الاسم بعد الهمزة في غرضي (التقرير والانكار) لايكون للعناية والاهتمام كما سبقت الاشارة، وانما للتعبير عن الفروق في المعنى بين التراكيب المتنوعة استجابة لاغراض المتكلم وحاجاته ومتطلبات الموقف الذي تشير اليه بنية ذلك التركيب، لأن مفهوم القيمة الاسلوبية يفترض وجود

(2) ينظر: البلاغة والاسلوبية: 200.

(3) ينظر: دلائل الاعجاز: 140؛ والبرهان الكاشف عن اعجاز القرآن: 170.

(4) سورة الانبياء، من الآية /62.

(5) ينظر: دلائل الاعجاز: 140.

(6) ديوان امرئ القيس: 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت