معنى المعنى
فللفظ وظيفة في دلالته على المعنى الحقيقي، وللمعنى الحقيقي وظيفة في دلالته على المعنى المجازي، يقول عبد القاهر في ذلك:"نعني بـ (المعنى) المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل اليه بغير واسطة وبـ (معنى المعنى) أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى الى معنى آخر" [1] ، ومن ذلك قول الشاعر الفرزدق:
سقتها خروق في المسامع لم تكن ... علاطًا ولامخبوطة في الملاغم [2]
فليس المجاز في لفظة (سقتها) ولكن في اسنادها الى (الخروق) [3] ، فالمعنى الاول لايشير الى غير السقي للخروق وهو (دلالة المطابقة) ، والمعنى الثاني يشير الى شهرة أصحابها فتقدم على غيرها في السقي لأن ذكر اصحابها قد ملأ الافاق وهو (دلالة الإيحاء) ، ولو وضعنا لذلك مخططا يكون على النحو الآتي:
سقتها خروق ... = الدال ... = اللفظ
السقي (دلالة المطابقة) ... = المدلول الاول = المعنى (الحقيقي)
تقديمها على غيرها في السقي
لأن ذكر اصحابها ملأ الافاق = المدلول الثاني = معنى المعنى (المجازي)
(دلالة الايحاء)
لذلك فإن المجاز في التركيب قد حصل من خلال دلالة المعنى على معنى ثان هو المراد من قول الشاعر وذلك من خلال التأويل في الاسناد الذي اشار الى المجاز العقلي، وهو مايقابل الحقيقة عند عبدالقاهر الجرجاني.
وعبد القاهر في مقابلته المجاز للحقيقة انما يشير الى أن كلًا من الحقيقة والمجاز العقلي لابد من أن يحدثا بالاسناد والاسناد لايكون الا بين شيئين وهما ركنا التركيب
(1) دلائل الاعجاز: 258 - 259.
(2) لم يذكر البيت في ديوان الفرزدق بتحقيق الصاوي، ولا بتحقيق المستشرق جيمس د. سايمز، والعلاط: هو الوسم في العنق والخباط: الوسم في الوجه، والناقة المخبوطة التي وسمت بتلك السمة، ونسبه عبد القاهر للفرزدق، دلائل الإعجاز: 281.
(3) ينظر: دلائل الاعجاز: 282.