فدخل ربعي بثياب صفيقة .. وسيف قصير .. وفرس قصير .. ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط .. ثم نزل فربطها ببعض تلك الوسائد .. وأقبل يمشي إلى رستم .. وعليه سلاحه ودرعه .. وبيضته على رأسه ..
فقالوا له: ضع سلاحك .. فقال: إني لم آتكم .. وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت ..
فقال رستم: ائذنوا له .. فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق ..
فقال رستم: ما جاء بكم؟
فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى رب العبادة ..
ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ..
فمن قبل رجعنا عنه .. ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله ..
قال: وما موعود الله؟
قال: الجنة .. لمن مات .. والنصر لمن بقي ..
فقال رستم: هل لكم أن تؤخرونا حتى ننظر؟
قال: نعم! كم أحبَّ إليكم؟ يومًا أو يومين؟
قال: لا .. بل حتى نكاتب أهل رأينا ..
فقال: ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث ..
ثم خرج ربعي ..
فالتفت رستم إلى أصحابه .. وقال: هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟
فقالوا: معاذ الله أن تدع دينك إلى هذا الكلب .. أما ترى ثيابه ..
فقال: ويلكم لا تنظروا إلى الثياب .. وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ..
وتمضي الساعات .. ثم يبتدأ القتال ويهزم الله رستم وأصحابه ..
فروا فرارا، يجمحون كأنهم * من الذعر فئران تملكها الذعر
إذا ما نزلنا ساحة الكفر في الوغى * تفشى هناك الموت وانتشر الذعر
فإن نحن نلنا ما نريد ونبتغي *فذاك .. وإلا كان في موتنا عذر
ويصطفي الله من المؤمنين شهداء .. ويورث الباقين أرض الكفار وديارهم وأموالهم ..
فسلوا فخامة كسرى عن كتائبنا وجيشه الضخمَ لما مُدَّت القضبُ
سرى يجر ذيول الخزي منهزمًا وكُسِّرت عنده التيجان والحجبُ
بل كان الأبطال .. لا يكتفون بالاعتزاز بدينهم .. ولا ببذل أموالهم وأجسادهم .. بل كانوا ينظرون إلى كل ما يستطيعون تقديمه للدين فيقدمونه .. من خبرة ومال .. أو حنكة قتال .. أو عقل راجح ..
أول ما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة .. كان أهلها أخلاطًا من يهود ومشركين .. ومسلمين .. فأراد صلى الله عليه وسلم أن يستصلح المدينة .. ويجمع أهلها على التوحيد ..
وكان كعب بن الأشرف رأسًا من رؤوس اليهود يقف له في كل سبيل .. ويصد عن سبيل الله من آمن ..
بل كان يحرض على قتال المسلمين .. وينشد الأشعار .. ويندب من قتل من المشركين يوم بدر .. وكان شاعرًا يشبب بنساء المسلمين .. ويهجو النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابَه ..
بل مضى إلى مكة .. يحرض قريشًا على قتال المسلمين .. وإيذاء المستضعفين ..