والإندفاع وتجاهل طبيعة المخطئ مما قد يولد في نفسه عزة بالإثم .. بدل هذا تكون الدعوة الودود، والتوجيه المتأني. ولنا في رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة. فمع شدة بغضه للمعصية، لكنه كان يعالج الأمور بحكمة فائقة، فإذا المخطئ أسير حب رسول الله ووده.
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي اللّه عنه"أن غلامًا شابًا أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال يا نبي الله: أتأذن لي في الزنا؟ فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه، مه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم،"إدنه". فدنا منه قريبا، قال: فجلس، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم:"أتحبه لأمك؟"قال: لا والله جعلني اللّه فداك، قال:"ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال:"أتحبه لابنتك؟"قال: لا والله يا رسول اللّه جعلني اللّه فداك .. قال:"ولا الناس يحبونه لبناتهم"قال:"أتحبه لأختك؟"قال: لا والله جعلني اللّه فداك .. قال:"ولا الناس يحبونه لأخواتهم". ثم ذكر العمة والخالة وهو يقول لا كل واحدة: لا والله جعلني اللّه فداك. قال: فوضع رسوله الله صلى اللّه عليه وسلم يده عليه وقال:"اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه"، فلم يكن بعد ... ذلك الفتى يلتفت إلى شيء" [1] .
ومر أبو الدرداء على رجل أصاب ذنبا، والناس يسبونه، فقال لهم:"أرأيتم لو كان في بئر أكنتم مستخرجيه؟.قالوا: نعم. قال: فاستغفروا لأخيكم. واحمدوا اللّه الذي عافاكم. فقالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي" [2] .
فأبو الدرداء يعلم حسن نية المنكرين على العاصي، وصدقهم في كراهية المنكر، لكنه لم يشأ أن يغلق على الرجل باب الإنابة والتوبة، وذلك عن طريق كلمة راشدة قد تستيقظ بها نفسه، فإذا هو مستقيم وجل. كما كان الحالة مع صاحب النبي صلى اللّه عليه وسلم.
لكن .. ما الحكم إذا لم ينفع هذا الأسلوب مع العصاة، ولم يفد في تأديبهم؟ هنا. لا بد من الهجر والمقاطعة السلبية التي تحدثنا عنها آنفا ..
هذا إذا لم تكن هناك مخالفات شرعية توجب حدا أو تعزيزا فيجب إقامتها طبعًا ..
وقد استشكل البعض كون هجران الفاسق أو المبتدع أمرًا مشروعا، على حين لا يشرع
(1) مسند أحمد جـ 5/ 257،256 ط بيروت.
(2) فتح الباري جـ 10/ 497.