المطلب الثالث: غرق الكتب
طال الغرق كتب بعض المحدثين كلاًّ أو جزءًا، دون أن يكون لهم دخل في ذلك؛ فقد تُغمر المنطقة التي يسكنها المحدث بالماء، فيكون ذلك سببًا في ذهاب كتبه وقد تتعرض البلاد لغزو أو عدوان، فلا تسلم حتى الكتب من الإغراق والإحراق. فيحدِّث الراوي بعد ذهاب كتبه، فيقع منه الوهم والغلط، فيُغمز ويُلَيَّنُ لسوء ضبطه واختلاله.
وقد يرمي بعض العلماء كتبه في البحر لسبب أو لآخر، ويترك التحديث ويشتغل بالزهد والعبادة (1) ، فلا يؤثر هذا عليه إلا إذا حدّث وخالف في ذلك الحفاظ.
وممن غرقت بعض كتبه فنسخها من كتاب ليس فيه سماعه، وضُعِّفَ لأجل ذلك المسند المحدث: أبو بكر القَطِيعي (2) .
ــــــــــــــــــــ
(1) - وقد فعل ذلك: أحمد بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارث التَّغْلِبِي، يكنى أبا الحسن بن أبي الحواري بفتح المهملة والواو الخفيفة وكسر الراء، ثقة زاهد، من العاشرة. مات سنة ست وأربعين. د ق. التقريب (ص: 81) .
قال يوسف بن الحسين: طلب أحمد بن أبي الحواري العلم ثلاثين سنة، ثم حمل كتبه كلها إلى البحر فغرَّقها، وقال: يا عِلْمُ، لم أفعل هذا تهاونًا بك، ولا استخفافًا بحقك، ولكن كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي، فلما اهتديت بك إلى ربي استغنيت عنك. حلية الأولياء (10/ 60) .
(2) - أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك بن شبيب البغدادي القطيعي الحنبلي، من قطيعة الدقيق. راوي مسند الإمام أحمد، والزهد، والفضائل، له. الشيخ العالم المحدث مسند الوقت، ولد في أول سنة (274هـ) . رَحَلَ، وكتب، وخرّج، وله أُنْس بعلم الحديث، وقال السلمي: سألت الدارقطني عنه فقال: ثقة زاهد قديم، سمعت أنه مجاب الدعوة، وعن أبي الحسن بن الفرات قال: كان مستورًا، صاحب سنة كثير السماع إلا أنه خلط في آخر عمره، وكف بعده وخرف حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقرأ عليه. قال ابن حجر: وهذا القول غلو وإسراف، وقد كان أسند أهل زمانه. مات سنة (368هـ) ، وله (95) سنة.
تاريخ بغداد (4/ 73) ، وسير أعلام النبلاء (16/ 210ـ213) ، والبداية والنهاية (11/ 293) .