فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 324

قال الحافظ شمس الدين الذهبي: «هذا فعله عدّة من الأئمة، وهو دالّ أنهم لا يرون نقل العلم وجادة (1) . فإن الخط قد يتصحف على الناقل، وقد يمكن أن يزاد في الخط حرف فيغيّر المعنى ونحو ذلك، وأما اليوم فقد اتسع الخَرْقُ، وقلَّ تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعضُ النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجّى» (2) .

قلت: لو حقّق ودقّق من ينقل، وأمسك عن الكلام من لا يعلم، وترك الكتابة من ليس من أهلها، لما وقع الخلط والخبط في الكتب وفي النقل.

وقد كان القوم أهل حفظ وضبط، ومن لم يكن يحفظ كان يروي من أصول صحيحة، فإذا ذهبت كتبه، وأخذ يخلط ويغلط في الرواية، توقف الأئمة بشأن مروياته وأخضعوها لعملية السبر والاختبار؛ لمعرفة نسبة الموافقة، أو المخالفة لروايات الثقات من الحفاظ.

ومن المعلوم أن دفن الكتب، أو ذهابها بأي سبب (3) ، لا يؤثر على مرويات الراوي إلا إذا كان ممن يعتمد في الرواية عليها، ويُديم الرجوع إليها. أما من كان حافظًا متقنًا، وقام بدفن كتبه، فلا يؤثر هذا على رواياته.

ــــــــــــــــــ

(1) - الوجادة: بكسر الواو، مصدر لـ: (وجد يجِد) مولَّد. وفي الاصطلاح: أن يجد بخط يعرف كاتبه فيقول: (( وجدت بخط فلان ) )، ولا يسوغ فيه إطلاق أخبرني بمجرد ذلك، إلا إن كان له منه إذن بالرواية عنه، وأطلق قوم ذلك فغُلِّطوا. علوم الحديث (ص: 178) ، ونزهة النظر (ص: 125) .

ومعظم المحدثين والفقهاء من المالكية لا يرون العمل بها. وأجازها الشافعي وطائفة من نظار أصحابه وغيرهم من أرباب التحقيق. انظر: الإلماع للقاضي عياض: (ص: 120) .

(2) - سير أعلام النبلاء (11/ 377) .

(3) - قلت: مهما كان الباعث على دفن الكتب ـ عند من فعل ذلك ـ؛ من ترك للحديث بعد طلبه واشتغال بالزهد والعبادة، أو مخافة عدم الإخلاص في الطلب، أو أنها ليست من زاد الآخرة، أو ذهاب الفائدة منها بعد الاهتداء إلى الخالق، أو خشية العبث بها والتغيير فيها، وغير ذلك من القصود والبواعث التي دفعت بعض أصحاب الكتب إلى دفنها، فلا تأثير لهذا كله على أحاديث الراوي، إلا إذا حدّث ووقعت الأوهام والمناكير في حديثه؛ لسوء حفظه، وقلة ضبطه؛ لأن اعتماده كان على هذه الكتب أصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت