واقع وأفاق البحث العلمي
د. م. حسان ريشة
1 -مقدمة عامة:
لن تتطرق هذه المحاضرة إلى أمور بديهية كثر الحديث عنها كأهمية القضايا الاقتصادية في حياتنا وأهمية العلم والبحث العلمي كطرق حتمية للتقدم. ولكننا سنحاول التركيز على مايميز بدايات القرن الحادي والعشرين.
فالتحديات الرئيسية في عالم اليوم وضمن ظاهرة العولمة وهيمنة القطب الواحد تتمثل بنشوء نظام اقتصادي منفتح تنكمش فيه حدود الزمان والمكان. وبنشوء أوساط تنافسية حادة تستند المنتجات والسلع فيها إلى آخر منجزات العلم والتقانة، وبالتالي الاعتماد شبه المطلق على القيم المضافة المكثفة المحتواة فيها، وبل وفي أدوات الإنتاج ذاتها، الأمر الذي أدى إلى المزيد التركيز على الابتكارات وإتاحة وسائل البحث للمبدعين والعاملين في مجال العلم والتقانات.
ما الذي أدى إلى هذا الانكماش وإلى هذا الانفتاح وإلى هذا الدور المتعاظم للعلوم والتقانة؟ إنها ثورة المعلوماتية والاتصالات، فنحن نعيش في عصر المعلومات والانفجار المعلوماتي وأصبحت تقنيات التعامل مع المعلومات من ضرورات البقاء. كما أصبحت المعلوماتية أداة أساسية للبحث العلمي وتنمية المعارف من جهة، وموضوعًا للبحث العلمي من جهة أخرى، وتطورت تقاناتها المختلفة من شبكات تناقل المعطيات إلى طرق التخزين والتوزيع والبحث والاسترجاع وصولًا إلى الذكاء الصنعي والنظم الخبيرة وقواعد المعرفة والعديد من التطبيقات المعقدة. وبناء على ذلك ليس من المستغرب أن نجدها تحتل مكان الصدارة في الاستراتيجيات الحديثة للبحث العلمي. كذلك الأمر بالنسبة للاتصالات فالاستثمارات الهائلة على الصعيد العالمي في مجال تقانات وشبكات الاتصالات الرقمية تحتل المرتبة الأولى. ويتسارع التنافس في البنى التحتية والخدمات الحديثة. وتحقق الآن الحلم الكبير بالطرق السريعة للمعلومات، والبنى التحتية الفضائية.
وغني عن البيان أن مواضيع البحث العلمي والعلوم والتقانات لا تنحصر في المعلوماتية والاتصالات ولها بناها التحتية وخدماتها التخصصية، وتتفاعل مع التنمية الاقتصادية كما أشرنا بدايةً، بالرغم من تداخل وتشابك التقنيات المعلوماتية إلى حد كبير.
ومن المستلزمات الأساسية التي يجدر ذكرها بالإضافة إلى البنى التحتية، ضرورة تغيير النظم التعليمية لتتلاءم مع التطورات السريعة الجارية. وتتزايد أهمية هذه المستلزمات في الدول النامية ويضاف إليها ضرورة وضع استراتيجيات محدثة بشكل مستمر، وخطط لنقل العلوم والتقانات. وبسبب تداخل البحث العلمي مع المهام الأخرى كالتعليم والخدمات والتطبيقات المهنية، وبخاصة كون المتلقي لمنجزات البحث يتمثل بالكوادر المتعلمة التي تردف الكوادر المنتجة بشكل مطرد، فإن دور الجامعات في البحث العلمي أصبح يشكل حجر الزاوية فيها. وبشكل مماثل تمامًا يتداخل هذا الدور مع الوظائف الأخرى لها. الأمر الذي استدعى تركيزًا خاصًا في هذه المحاضرة على الجامعات السورية ودورها في البحث العلمي لدفع التنمية، ولا سيما أن تنمية الموارد البشرية هي مفتاح الحلول لمجابهة التحديات، والعلاقة أساسية بين التعليم والنمو الاقتصادي. ونظرًا لكون جامعة دمشق تشكل الحلقة الأساسية الأكبر والأهم في منظومة التعليم العالي من جهة، والتكلفة الهائلة للعملية التعليمية التي تستهلك قسمًا كبيرًا والناتج الإجمالي من جهة أخرى، إضافة إلى استهلاك التعليم العالي للجهود البشرية للشريحة الأعلى اختصاصًا وتعليمًا (أعضاء الهيئة التعليمية)