الصفحة 20 من 25

وقد ظهر فشل مخطط الأعداء في تنحية الإسلام عن ساحة المعركة، في البروز المتتالي للأحزاب الإسلامية وحركات المقاومة وجماعات الإصلاح التي تحاول -حسبما ثقفته من الإسلام- أن تقف في وجه المعتدين على الأمة في دينها وخيراتها وأعراضها، وقد بلغ هذا البروز الإسلامي أوجه بفضل الله في الآونة الأخيرة حين ارتفعت رايات الجهاد، وشاعت في الأرجاء أصوات العلماء الصادعين بالحق، حتى كادت الأحداث العالمية الكبيرة لا تقوم إلا وقد دخل الإسلام طرفًا فيها، فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.

الثاني: ثبات المؤمنين على دينهم، فإن المتأمل في أحداث هذا الزمان وما قبله، ليلحظ بجلاء، أن المسلمين من أدنى الأرض إلى أقصاها قد تعرضوا إلى ما لم يتعرض إليه ولا إلى قريب منه غيرهم، فاستعمرت أوطانهم، ونُشِرَ الفساد بينهم، وَبُثَّ الضلال في أبنائهم، وَأُعْمِلَ فيهم سيف التجهيل والتغريب والتنصير، وَأُفْسِدَتْ مناهج تعليمهم، وَدُجِّنَ علماؤهم، وَحُورِبَ الصادقون من دعاتهم، وألصقت بهم التهم الشنيعة والأوصاف الوضيعة، وتعرضوا للإبادات الجماعية، وَأُعْمِلَ فيهم التقتيل والتهجير على يد الشيوعيين، وعلى يد العَلْمَانيين، وعلى يد اليهود، وعلى يد الهندوس، وعلى يد الصين، وعلى يد الصليبيين الجدد، وغيرهم.

وهذه المحن العظيمة والبلايا الشديدة، وإن ألحقت فئامًا كثيرة بالمشركين والمنافقين، إلا أنها لم تنفع في اجتثاث جذوة الإيمان من قلوب الملايين من المسلمين، ولم تنجح في ثني الدعاة والمجاهدين عن نصرة هذا الدين، بل على العكس من ذلك ضاعفت من أعداد الناصرين لدين الله تعالى، وأوقدت الغيرة في نفوس الكثير من المسلمين، ولن يرى الصليبيون والعَلْمَانيون من ذلك إلا المزيد إن شاء الله تعالى، كلما اشتدت وطأتهم على المسلمين ودينهم، والحمد لله رب العالمين.

ولا يُنْتَظَرُ من عموم الأمة أن تقوم بنصرة هذا الدين، فإن ذلك لا يصح لا في العقل ولا في الشرع، ولم يتحقق في أي وقت أو حين، لأن الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المائَةِ لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَة) [1] ؛ فالأمل معقود بإذن الله تعالى على العلماء الصادقين والدعاة المخلصين والمجاهدين، الذين يعلمون الحق، ويرحمون الخلق، ويفقهون أدواء الأمة، ويعلمون دواءها، ويميزون بين العدو والولي، ويتبرؤون من كل عَلْمَاني غوي، ويبرؤون إلى الله من الشرك والبدع والأهواء، ويصطبرون على كيد الأعداء، ويؤمنون أن دين الله لن ينتصر بمناهج الرخاء.

(1) رواه البخاري برقم (6133) ومسلم (2547) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت