في القرن الثاني عشر: وجهت رتبة إفتاء الشام على علي أفندي المرادي، وبعد أشهر حضر علي أفندي لدى والدي وطلب منه أن يستعفي له من الإفتاء واعتذر بأنه رأى رؤيا أزعجته كثيرًا، وقال له لا أخرج من دارك حتى تخلصني من منصب الإفتاء .. فتكلم والدي في أمره فقال له عثمان بيك لا بأس بذلك، لكن بشرط أن يكون الإفتاء لك، فقال له أنا أسعى عن غيري وأقبل لنفسي؟! لا يمكن ذلك، فقال له: هذا منصب علم وأمانة، وأنا عندي منصب لا يعزلني منه أحد وهو منصب العلم فلا أختار غيره عليه، على أني لا آمن على نفسي، وهذا منصب خطر). [1]
2 -المُفْتُون عبر القرون:
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى: (أول من وقع عن الله هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيبن، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده؛ فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ] . فكانت فتاويه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب، وهي في وجوب اتباعها، وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلًا. وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا] .
(1) حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر - (1/ 332)