فهؤلاء العلماء ينبغي أن يكون مقرهم سويداءَ القلوب ، وحَدَقَ الُمقَل ، وأن يُبَوَّأوا المكانة التي بوأهم الله إياها ، ويُعطَوا حقوقهم اللائقة بهم بلا إفراط ولا تفريط ؛ فلهم حقوق كبيرة وكثيرة ، وأهمها حقان ، تجاوزهما كثير من المسلمين في مجالسهم ، وصحفهم ومنتدياتهم ، وكتاباتهم ؛ فالحق الأول: أن تكون أعراضهم مُصانة ، وحرماتهم محفوظة ، وأن لا يُسْلَموا إلى من أُعطوا بسطةً في المقال ، أو استطالة في المقام [1] .
ويكفي في خطر الوقوع في أعراض العلماء أنه من أسباب سوء الخاتمة، نسأل الله السلامة والعافية . وقد ذكروا عن أحد الفقهاء والقضاة الشافعية - وقد درَّس وأفتى - فيما قال عنه الجمال المصري: ( إنه شاهده عند وفاته, وقد اندلع لسانه واسودَّ , فكانوا يرون أن ذلك بسبب كثرة وقيعته في الشيخ محيي الدين النووي ) رحمهم الله جميعًا [2] . وذكر نحوه السخاوي لشخص آخر من كرمان من اليمن ، كان يطلق لسانه في النووي ، فلم يمت حتى سقط لسانه [3] . وتكلم بعض المجازفين بما يُعَنِّيه ولا يَعْنيه، وبسط المقال في أحد أهل العلم ، فلم يلبث أن أصابته بشوم إساءَته علل منكرة، وذكر أنه انشق جوفه، ومات ميتة سوء، واشتهر بين من عرف حاله ، وسمع مقالة: إن لحم فلان سَمَّهُ !! يعنون أن لحوم العلماء مسمومة [4] .
ولما قال رجل لعمرو بن عبيد: يا أبا عثمان ! أني لأرحمك مما يقول الناس فيك ، قال: يا ابن أخي ! أسمعتني أقول فيهم شيئًا ؟ قال: لا ، قال: فإياهم فأرحم .
(1) لحوم العلماء مسمومة /د. ناصر بن سليمان العُمر
(2) الدرر الكامنة 4/106
(3) المنهل العذب الروي - (ج 1 / ص 17)
(4) التدوين في أخبار قزوين - (ج 1 / ص 137)