الصفحة 28 من 41

والمدح في القصيدة مليء بأمثاله هذه التواليدات المعنوية وكان الترابط (1) ما بينها نتيجة ممن نتائجها، إن قوله:

33 -حرّم اللّه أن ترى كابن سلم ... عقبة الخير مطعم الفقراء

يحتاج إلى برهان حسي، وكان البرهان:

34 -يسقط الطير حيث ينتثر الحـ ... ب وتغشى منازل الكرماء

ومن البرهان اشتق القاعدة اللازمة عنه"تغشي منازل الكرماء"وهو تتبع لفروع المعاني ناتج عن قوة المنطق التحليلي، وتوضيح الصفة بمثال، واستخلاص قاعدة من المثال.

وبذلك قدّر لبشار أن يوسّع قسم المدح من معنيين اثنين وكأنه في كل بيت منه يهب جديدًا، وما هو إلا الفرع الأول أطلع غصنا من نسغه ولحائه.

(5) الإحكام والربط:

وبشار يتوخى الإحكام في الصنعة المنطقية توخي شاعر يدفع الخلل ولو أسرف في توضيح ما هو واضح قال:

35 -ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء

وأراد أن يبين أنَّ الشجاعة هي من لذة الممدوح مثل الكرم، فأراد المعنى في صياغة نظرية خالصة عارية من كل تلوين ليقرن إليها المعنى الثاني وتكون الإعادة وصلة معنوية، ليستوي البيتان في إحداث الأثر:

36 -إنما لذة الجواد ابن سلم ... في عطاء ومركب للقاء

ومن آثار الفكر المنطقي الذي يطلب الوضوح دائبًا التكرارُ، وإذا كان التكرار في البيت الآنف يراد به حسن التأليف والربط فهو في مواضع كثيرة لمحض التأكيد مثل قوله:

38 -لا يهاب الوغى ولا يعبد ... المال ولكن يهينه للثناء

39 -أريحي له يد تمطر الني ... ل وأخرى سم على الأعداء

ويتردد هذا الغرض في عدد من أبيات المدح يكون فيها الثاني تثبيتًا للأول كالأبيات (33 - 39) فهي، إذن، ظاهرة مميزة في القصيدة يحرص فيها بشار على استقرار المعنى عند السامع وأن يبلغ الأثر فيه أبعد ماله من مدى.

(1) الترابط: بمعنى الربط ، من قولهم ماء مترابط: دائم لا ينزح ( الصحاح) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت