الصفحة 27 من 41

هل تظفر خطة أو مقالة حديثة بترتيب أرصن وموالاة أحكم؟

أليست هذه الموالاة تشهد بفكر منظم يفحص المعاني المتوالدة أو المتتابعة ويلحق كلًا بجنسه وفق نسق المدح الذي فصلناه؟

إن هذه القصيدة مدينة - في الحق - إلى القدرة الفكرية الخلاقة لدى الشاعر، إلى ملكة التحليل المنطقي لطبيعة الحقائق تحليلًا يستوفي الجوانب والخصائص جميعًا. ألا نرى كيف بنى (27) بيتًا يا المدح على معنيين اثنين هما: الكرم والشجاعة، ثم ذهب فكره فيهما كل مذهب حتى استوف له منهما مدح معجب يتقدم به شعراء عصره؟

(4) توليد المعاني:

وصف بشار نفسه مرة بذكاء القلب،"حسبه شاهدًا إبداعه هذه القصيدة، وليس من مظاهر فكره الخلاق الترتيب وحده، فإنه يهتدي إليه بشيء من ترداد النظر، وفحص المعاني لتحقيق المشاكلة فيما بينهما، بل توليدُ المعاني بعضها من بعض أيضًا وتوسيعها وطريقة عرضها."

ويعتمد توليد المعاني في هذه القصيدة على القدرة التحليلية، ألا نرى أن بشارًا كان له أن يكتفي بالمطلع المستطرف:

حييا صاحبي أم العلاء ... واحذرا طرف عينها الحوراء

ولكن قوة الفكر المحلل لا ترضى إلا أن تشتق من الشطر الثاني بيتًا آخر يكون للأول رديفًا وظهيرًا:

إن في عينها دواء وداء ... لملم والداء قبل الدواء

والاحتراس المنطقي في قوله"والداء قبل الدواء"هو ليدفع عن الشطر الأول ما قد يوهم به العطف من ترتيب يجعل الدواء قبل الداء. فلأيّ مدى يراقب بشار معانيه وهو يفتّقها، وبأية بصيرة؟

إن الرجل الذي وعى علوم عصره وثقافته، وحضر حلقات ومجالس علماء الكلام يمنح شعره ثمرة عقله اللامع القادح، ولعله بهذا التحليل الدقيق تفوق على الأقران، إنه ليس سهلا أن تضع الثقافة العميقة في خدمة الشعر إلا من تمثلها حق تمثلها ودخلت في صميم بنية فكره وفي منهج تفكيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت