الصفحة 10 من 41

ولكن الاستقراء الدقيق، ولاسيما قصائد العصر الأموي، لا تأذن بإصدار حكم له صفة الشمول، وكثيرًا ما نجد أنفسنا لدى نماذج متفاوتة وفي بعضها لا يفارق الشاعر التصميم الجاهلي لقصيدة المدح من الوقوف على الأطلال ومساءلتها، واجتياب الفلاة على الناقة الوجناء، والتغزل بالمرأة، حتى ليخيل إلينا في بعض القصائد أن هذه المقدمة التقليدية أولى من الغرض الأول فيها، وهو المدح، ومن أمثلتها قصيدة القطامي اللامية:

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطول

إذ هي"43"بيتًا لا يشغل المدح غير العشرة الأخيرة منها (1) .

ولكن المقدمة في قصيدة بشار هذه ليس فيها من حديث الديار أثارة، فهي تنتمي إلى بردة كعب بن زهير. والشاعر ينصرف عن الوصف المادي الذي كان لا يفوت السابقين، من تعدادٍ لمفاتن حسيَّة كانت تُعدّ في ذلك اليوم المثلَ الجمالي الأعلى، ينصرف إلا قليلًا في المطلع إذ يذكر حور عينيها ولكنه يُعوّل على الأثر متجاوزًا في تصويره عن المؤثِّر:

1 -حيّيا صاحبيّ أمّ العلاء ... واحذرا طرف عينها الحوراء

2 -إن في عينها دواء وداء ... لملمّ والداء قبل الدواء

إنه الإِغراء متنكر في هيئة تحذير، إن ينجح بإثارة الفضول لدينا فلن يُعْقِبَ قناعةً لأنه فضول غير مدعوم بدليل مادي يجعل النظر مخشيًا حقًا مثل الدليل المادي في قول امرئ القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مُقتَّل (2) 2

وما ذاك إلا لأن بشارًا تنقصه خبرة امرئ القيس بخفايا المقاصد وبواعث السلوك، فغزله غزل الفن، غزل الحقائق المتقابلة في الفكر لا غزل الوقائع والصراع.

وكان النابغة أقدر على الإِيحاء بالأثر من خلال الصورة المادية للمؤثر:

نظرت بمقلة شادن متربّبٍ ... أحوى أحم المقلتين مقلدّ

(1) انظر جمهرة أشعار العرب: ص 643، ت: البجاوي، ط دار نهصة مصر.

(2) ديوان امرئ القيس: ص 13، ت: أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف بمصر 1969 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت