وذهب الاجتهاد الشافعي والاجتهاد الحنبلي إلى عكس ذلك فقررا أن المنافع أموال متقومة في ذاتها، لأنها هي المقصودة من الأعيان، فإن أثمان الحاجيات والأشياء تقاس بين الناس بمنافعها. وقد أجازت نصوص الكتاب والسنة أن تكون المنافع والخدمات مهرًا في النكاح، وأن المهر يجب أن يكون مالًا، لقوله تعالى بعد تعداد المحرمات من النساء: (وأُحِل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ... ) [1] .
ومن ثم قرر الشافعية والحنابلة ومن على رأيهم أن منافع المغصوب مضمونة على الغاصب كعين المال المغصوب، سواء استوفى الغاصب هذه المنافع بأن استعمل المغصوب، أو عطلها. وإذا هلك المال المغصوب عند الغاصب يضمن لصاحبه قيمة المال المغصوب، وأجرة المثل لمنافعه عن مدة الغصب (ينظر كتاب"تأسيس النظر"للإمام أبي عبد الله بن عمر الدبوسي الحنفي ص 62 - 63) .
ولا يخفى أن رأي الحنفية في هذه المسألة ضعيف، وأن رأي الشافعية والحنابلة هو الأقوى دليلًا، ويتفق مع المصلحة العامة وعليه جمهور الفقهاء (ينظر الجزء الثالث من سلسلة: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد لكاتب هذا البحث في الفقرات 132 - 137) .
تأخير أداء الحق يشبه الغصب فيجب أن يأخذ حكمه
بعد هذا نقول: إن تأخير أداء الحق عن ميعاده من المدين المماطل القادر على الوفاء (غير المعسر) يشبه الغصب فيجب أن يأخذ حكمه، لسببين:
-أولًا: لأن هذه المماطلة منه والتأخير ظلم بنص الحديث النبوي الآنف الذكر.
-ثانيًا: لأن الديون مقرها الذمة، فتأخيرها ظلمًا وعمدًا هو حجب لها عن صاحبها الدائن، والتعدي عليها إنما يكون بهذا الحجب لأنها ليست أعيانًا يتأتى فيها السطو المادي،
(1) سورة النساء الآية 24