2 -يُشترط لمَن أراد أن يقومَ بمثل هذا الفعل ألاَّ يكون مسؤولًا عمَّن أوجَبَ الله - سبحانه وتعالى - نفقتَهم عليه، أو إذا كان مسؤولًا وعنده مَن يَعول من زوجة وأولاد، بأن يُبقيَ لهم كفايتهم، أو إذا كانوا مثلَه في الصبر واليقين، جاز له فعْلُ ذلك؛ قال الطبري:"قال الجمهور مَن تصدَّق بماله كلِّه في صحة بدَنه وعقله؛ حيث لا دَيْنَ عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيال يَصبرون أيضًا، فهو جائز، فإن فُقِد شيء من هذه الشروط، كُرِه، وقال بعضهم: هو مَردود" [9] .
3 -بالرغم من أنَّ أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أنْفَق أموالَه كلها، فإنَّ ذلك محمولٌ على إنفاق الدراهم والدنانير، والأموال المنقولة لا غيرها؛ يقول ابن حزم:"بلا شكٍّ كانتْ له [10] دار بالمدينة معروفة ودار بمكة، وأيضًا: فإنَّ مثل أبي بكر لَم يكن النبي - صلى الله عليه وآله وسلَّم - ليُضَيِّعه؛ فكان في غِنًى" [11] .
إذًا فعل سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ليس على إطلاقه، ولا يجوز لأيِّ أحد من الناس الاقتداءُ بفِعْله من غير الشروط والقيود التي ذكرناها آنفًا، والله أعلم.
وقد جاء في حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - في قصة تخلُّفه عن غزوة تبوك، ثم نزول توبته من الله - عز وجل - حينها أرادَ كعب - رضي الله عنه - أن يُنفق كلَّ أمواله في سبيل الله تعالى؛ شكرًا لله تعالى وتصديقًا لتوبته؛ حيث جاء في سياق ما قاله - رضي الله عنه - في القصة المشهورة:"يا رسول الله، إنَّ من توبتي أن أنخلِعَ [12] من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أمْسِك بعض مالك، فهو خير لك ) ) [13] ، قال النووي:"وإنما أمَرَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالاقتصار على الصدقة ببعضه؛ خَوفًا من تضرُّره بالفقر، وخوفًا ألاَّ يصبرَ على الإضاقة، ولا يُخالف هذا صدقةَ أبي بكر - رضي الله عنه - بجميع ماله؛ فإنه كان صابرًا راضيًا" [14] ."
والخلاصة: أنَّ مسألة التصدُّق بجميع المال يتعدَّد فيها الحُكم الشرعي بحسب الاعتبارات المذكورة آنفًا، فمَن كان حاله قريبًا من حال أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فلا باس عليه إذا أنفَق ماله كلَّه، وأجْرُه على الله تعالى، ومَن كان بخلاف ذلك، فالأولى أن يُبْقِيَ جزءًا من ماله، ولا يُنفقه كلَّه، والله أعلم.
[1] الشنقيطي: محمد الأمين؛ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 51) ، دار عالم الكتب، الرياض.
[2] هناك فَرْق بين الادِّخار والاكتِناز، فالادخار لا يَعْدُو أن يكون اقتطاعًا لجزءٍ من الدخل؛ بُغية الانتفاع به وقت الحاجة، ودفْع ذلك الجزء المقتطع إلى أوْجه الاستثمار المختلفة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، أمَّا الاكتناز، فهو الاحتفاظ بالثروة وحجْبها مطلقًا، وعدم أداء الحقوق الواجبة فيها؛ كالزكاة وغيرها؛ انظر: سانو، قطب: المدَّخرات: أحكامها وطُرق تكوينها واستثمارها في الفقه الإسلامي، ص 209، دار النفائس، الأردن، ط 1، 1421هـ - 2001م.