الصفحة 2 من 5

وإذا تعوَّدت الأمَّة الادِّخار، وأصبَح هذا خُلُقًا عامًّا لها، اجتمَعت لديها مقاديرُ هائلة من الأموال، تستطيع أن توظِّفَها فيما يعود على المجتمع كلِّه بالخير وأبْرَك الثمرات، وتسد به ثغرات في الحياة الاقتصادية، بدلَ أن تلجأَ إلى الاستدانة من الخارج بالرِّبا الذي يَمحقه الله، والذي آذنَ اللهُ تعالى مُرتكبيه بحرب الله ورسوله، ونحن نرى آثار هذا المحق وهذه الحرب في هذه المليارات من الديون وخِدْمتها وفوائدها التي أرْهَقتْ شعوبَنا ومجتمعاتنا، حتى أمستْ تحاول توفيةَ الديون بديونٍ أخرى" [4] ."

إذًا من ثمرات هذا الاستنباط تقريرُ مبدأ الادِّخار، واعتباره مبدأً إسلاميًّا دعا إليه القرآنُ بجانب الإنفاق، فكما أنَّ الإنفاق مطلوبٌ فكذلك الادِّخار، فليس المنهجُ الإسلامي بذاك الذي يَدعو الأفرادَ أن يُنفِقوا كلَّ أموالهم، ثم ينتظروا البركة والتعويض.

سيدُنا أبو بكرٍ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - يُنفِق أمواله كلَّها:

في عهْد النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حصَلتْ حادثةٌ تدلُّ على جواز إنفاق المال كلِّه، وهي القصة المشهورة التي يَرويها سيِّدُنا عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه - حيث يقول:"أَمَرَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومًا أن نتصدَّق، فوافَق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسْبِق أبا بكر إن سبقتُه يومًا [5] ، فجِئْت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ما أبقيتَ لأهلك؟ ) )، فقلت: مثلَه، قال: وأتَى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ما أبقيتَ لأهلك؟ ) )، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلتُ: لا أُسابقك إلى شيءٍ أبدًا" [6] .

فهل هذه الرواية تُخالف المبدأ الذي تَمَّ تقريره في الإنفاق استنباطًا من القرآن الكريم، من أنه ينبغي أن يكونَ الإنفاق من بعض المال لا كله؟ أو أنَّ هناك توجيهًا يصحِّح المعنى المتبادَر إلى الذهن من أنه يجوز إنفاق المال كلِّه استنادًا إلى فعْل أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - وإقرار النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - له؟

من خلال التأمُّل في القصة ووقائعها والظروف المصاحبة لها، يُمكن القول بأنه مَن كان في مثل حال أبي بكر - رضي الله عنه - فإنه لا باس أن ينفقَ أموالَه كلَّها في وجوه الخير والبِر، وتفصيل ذلك كما يلي:

1 -لا شكَّ أنَّ يقينَ أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وإيمانه الراسخَ بالله - سبحانه وتعالى - وصبرَه سهَّل عليه مثل هذا الفعل؛ يقول الخَطَّابي:"وإنما لَم يُنْكِر على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - خروجَه من ماله أجْمع، لِمَا عَلِمَ من صحة نيَّته، وقوَّة يقينه، ولَم يَخَف عليه الفتنة" [7] ، ويقول ابن عابدين:"ومَن أرادَ التصدُّقَ بماله كله وهو يَعلم من نفسه حُسْنَ التوكُّل والصبرَ عن المسألة، فله ذلك، وإلاَّ فلا يجوز، ويُكره لِمَن لا صبرَ له على الضِّيق أن ينقصَ نفقة نفسه عن الكفاية التامَّة" [8] ، وبالتالي فمَن وَجَد من نفسه مثلَ هذه الحالة الإيمانية من اليقين والصبر، جاز له أن ينفقَ مالَه كلَّه؛ كما فعَل الصديق أبو بكر - رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت