الصفحة 1 من 5

هل يُشرَع للمسلم أن يُنفق أمواله كلَّها إذا أراد ذلك؟ وهل هذا العمل مما مدَحه الله تعالى وأثنَى عليه؟ وهل كان السلف - رحمهم الله تعالى - يفعلون ذلك أو لا؟

لا بد أولًا من بيان أنَّ من خصائص الإنفاق المحمود الاعتدالَ والتوسُّط، فكما أنَّ المسلم مأمورٌ بالبَذْل على غيره، فكذلك عليه إبقاءُ قَدْرٍ من ماله لنفسه ولِمَن يَعُول، وكذلك تحسُّبًا لنوائب الدَّهر وتقلُّبات الأحوال، فلا يُحْمَد للمسلم أنْ يُبالِغَ في الإنفاق، فيُنفِق كلَّ أمواله، ولا يدَّخِر منها شيئًا.

وهذا المعنى يُستنبَط من قول الله - سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] ، وجه الشاهد من الآية الكريمة هو قولُه - سبحانه وتعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} ؛ يقول الشنقيطي:"عبَّر في هذه الآية الكريمة"بِمِن"التبعيضيَّة الدَّالة على أنه يُنفِق لوجْه الله بعضَ ماله لا كلَّه، ولَم يُبيِّن هنا القَدْر الذي ينبغي إنفاقُه، والذي ينبغي إمساكُه، ولكنَّه بيَّنَ في مواضعَ أُخَر أنَّ القَدْر الذي ينبغي إنفاقُه هو الزائدُ على الحاجة وسَدِّ الخَلَّة التي لا بدَّ منها، وذلك كقولِه: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] ، والمراد بالعفو: الزائد على قَدْرِ الحاجة التي لا بدَّ منها على أصحِّ التفسيرات، وهو مذهب الجمهور" [1] .

وأيضًا هناك آياتٌ أُخرى تعضد هذا المعنى؛ كقوله - عزَّ وجلَّ - في صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] ، فوصَفَهم الله تعالى بأنهم لا يُسْرِفون إذا أنْفَقوا، ومُقتضى ذلك إبقاءُ جزءٍ من المال وعدمُ إنفاقه كلِّه.

الآيات القرآنية تُشير إلى الادِّخار:

يُستفاد ممَّا مضى أنَّ القرآن الكريم قد سَبَق عِلْمَ الاقتصاد الحديث في الحثِّ على الادِّخار [2] ، وذلك من خلال الإشارة إليه من غير ذِكْره صراحةً، ولعلَّ هذا الأمرَ يُعَدُّ من الإعجاز في القرآن الكريم من الناحية الاقتصادية والبلاغيَّة؛ يقول د. يوسف القرضاوي:"ومن أسرار التعبير القرآني أنه جعَل الإنفاقَ المطلوبَ ممَّا رزَق الله؛ أي: بعضَ ما رَزَق الله، ومعنى هذا: أنه يُنفِق البعضَ، ويدَّخِر البعض الآخر، ومَنْ أنفَق بعضَ ما يكتسب، فقلَّما يَفتقر، وقد صحَّ أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يدَّخِرُ لأهله قُوتَ سَنَتهم [3] ، فهذا لا يُنافي التوكُّلَ على الله تعالى، ولا الزُّهد في الدنيا؛ لأنه من الأخْذ بالأسباب المشْروعة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت