الصفحة 3 من 5

قام بالسَّيف، وهذا جهل قبيح من وجهين أحدهما: أنَّ المحفوظ أنَّه - صلى الله عليه وسلم - توكأ على العصا وعلى القوس. الثاني: أنَّ الدين إنَّما قام بالوحي وأمَّا السَّيف فلمحق أهل الضلال والشرك، ومدينة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - التي كان يخطب فيها إنَّما فُتحت بالقرآن ولم تُفتح بالسيف [1] .

والإسلام أعطى الحرية الكاملة لاعتقادات النَّاس، فلم يكره أحدًا على الدين يقول تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ، عن ابن عباس أنه قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم: ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك [2] .

وقد شرعت الجزية لمن لا يريد الدخول في الإسلام، وهي مبلغ زهيد وذلك مقابل حمايتهم، وعدم الاشتراك معهم في الدفاع عن الإسلام.

قال الإمام النووي: وقد حمى الإسلامُ الحنيفُ أهلَ الذمة وعاشت في ظلِّه ديانات اليهود والنصارى بعد أن كان يضطهد بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا فأقرَّ بينهم السَّكينة والوئام والسَّلام، وترك لهم حرِّية الاعتقاد عملًا بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ} [3] .

وقد أمر الله نبيَّه بمسالمة العدو إنْ أمنوا جانبَهم من المكر والخيانة، قال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

يقول الطبري رحمه الله: وإنْ مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ، إمَّا بالدُّخول في الإسلام، وإمَّا بإعطاء الجزية، وإمَّا بموادعة ونحو ذلك مِنْ أسباب السِّلم والصُّلح {فَاجْنَحْ لَهَا} ، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه [4] .

وظلَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو النَّاس إلى الإسلام في مكَّة ثلاث عشرة سنة، بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يقاتل أحدًا طوال هذه الفترة، مع ما تعرَّض له المسلمون من الأذى في دينهم.

وليس معنى هذا تضييق نطاق الجهاد أو أنَّ الجهاد لم يشرع إلا للدفاع فقط، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} قال الطبري: يقول لهم: ابدأوا بقتال

(1) ـ زاد المعاد 1: 178.

(2) ـ رواه الطبري في تفسيره رقم (5817) .

(3) ـ المجموع 14: 285.

(4) ـ تفسير الطبري 14: 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت