وسيكون كلامنا بحول الله تعالى عن نزول سيدنا عيسى ابن مريم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم, فأقول وبالله التوفيق نزول عيسى عليه السلام قال تعالى (وإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إلاَّ لَيُؤمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) . أي ليؤمنن بعيسى قبل موته. وذلك عند نزوله من السماء آخر الزمان, والضمير في موته, قيل للكتابي المفهوم من أهل الكتاب, وقيل لعيسى, لأنه ينزل قرب الساعة, فإنه ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فيما رواه مسلم أنه قال لينزلن عيسى بن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويأمر بترك القِلاص فلا يسعى عليها, وتترك الشحناء والتباغض, ويدعو إلى المال فلا يقبله أحد والقِلاص جمع قَلوص, وهي الناقة الشابة, والمعنى أي لا يخرج ساع إلى زكاة لقلة حاجة الناس إلى المال واستغناؤهم عنه .
وفي مسلم أيضًا انه عليه السلام ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق, بين مهرودتين, واضعًا كفيه على أجنحة ملكين, إذا طأطأ رأسه كبر, وإذا رفع رأسه تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كاللؤلؤ ومعنى كونه بين مهرودتين أنه لابس ثوبين مصبوغين بورس وزعفران, ومهرودتان بالدال المهملة وبالذال المعجمة والجمان بضم الجيم وتخفيف الميم جبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ, والمراد يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه
وانعقد الإجماع على أنه عليه السلام متبع لهذه الشريعة المحمدية ليس بصاحب شريعة مستقلة عند نزوله, وإنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم, لأن جميع الأنبياء كانوا يعلمون في أزمانهم بجميع شرائع من قبلهم ومن بعدهم بالوحي وبالكتب المنزلة عليهم, لما ورد في الأحاديث أن عيسى عليه السلام بشر أمته بمجيء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من بعده, وأخبر بجملة من شريعته يأتي بها تخالف شريعته, وأيضًا عيسى عليه السلام لا يقصر عن رتبة الاجتهاد المطلق.