الصفحة 2 من 55

إن العناية باللغة القومية والحرص على نشرها مظهر حضاري ومظهر من مظاهر الانتماء للوطن وجزء من الهوية الذاتية والقومية؛ وهذا ما جعل الآخر يحرص ـ كل في موطنه ـ على المحافظة على لغته ونشرها في كل مكان وجعلها حديثا يوميا، ولذا فالفارق عندهم بين لغة النص المكتوب والحديث اليومي المنطوق فارق ضئيل، فإذا ما جئنا للغتنا العربية ـ لغتنا الجميلة ـ وهي إحدى أواصر الربط بين العرب ـ الدين واللغة والعروبة ـ نجد أنها مهمّشة من الحديث اليومي، وتوشك أن تهمّش من النص المكتوب (1) ؛ حيث حلت محلها لهجات عامية متعددة في الأقطار العربية، تختلف كل لهجة عن أختها من قطر لآخر في بعض الخصائص اللغوية، علما بأن ثمة فصحى عصرية ميسور استعمالها كتابة وشفاهة، ربما ساعد على نشرها الصحافة والإذاعة المصرية في المقام الأول، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأن العامية المستعملة مستمدة من الفصحى في كثير من بناها الصرفية وأنماطها التركيبية مع إحداث تغيير في حرف أو حركة في بعض الكلمات (2)

(1) ثمة دعوة قديمة ممتدة إلى إحلال العامية محل الفصحى في النصوص المكتوبة في مختلف العلوم والمعارف تزعمها فريق من المستشرقين واعتنقها فريق من المفكرين العرب أمثال قاسم أمين وموسى سلامة وأحمد لطفي السيد. انظر: د.نفوسة زكريا سعيد: تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر . ط2 دار المعارف 1980

(2) يقول د.إبراهيم أنيس:"اللهجات العربية الحديثة انحدرت في أكثر ظواهرها من لهجات أجدادنا وورثنا عنهم ما نسميه بالحس اللغوي العربي الذي مكننا في العصر الحديث من قياس كثير من المسائل التي لم تسمع من العرب ولم تُروَ عنهم"انظر: د.عبد العزيز مطر: لهجة البدو في إقليم ساحل مريوط. ط دار الكاتب العربي القاهرة 1967 ـ المقدمة ص د ، هـ. ويقول أحد الباحثين: إن الكثير مما يشيع في لغاتنا العامية خرج من رحم لغتنا الفصحى، ولكن القليل منه بقي على انتمائه وولائه للغته الأم. أما ما عداه فقد اعتراه تصحيف أو تحريف أو حذف أو إضافة؛ تسهيلا لنطق المتخاطبين وخضوعا لظواهر صوتية يعالجها علم الأصوات بأساليبه ووسائله الحديثة، كما أن منه ما اعترته هُجنة أو عُجمة حين اختلطت لغة الخطاب العربية بلغات أهل البلدان التي امتدت إليها الفتوحات الإسلامية.. وقد أدى ذلك إلى تلاقح ولّد الكثير من كلمات وتعبيرات حفلت بها عامياتنا العربية"."

انظر: إبراهيم الترزي: مجلة مجمع اللغة العربية ص7 جزء 66 مايو 1990

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت