عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن رواحة [1] .
وعن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد أفطر، فأفطر الناس [2] .
وفي رواية قال: سافر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهارا ليراه الناس، ثم أفطر حتى دخل مكة. قال ابن عباس: فصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفطر، من شاء صام ومن شاء أفطر.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام. فقال:"أولئك العصاة، أولئك العصاة".
وفي رواية أخرى: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر [3] .
وعن أبي سعيد الخدري قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم [4] .
وفي رواية له: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن.
وفي رواية عند أحمد [5] قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نهر من ماء السماء، والناس صيام في يوم صائف مشاة، ونبي الله - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له، فقال:"اشربوا أيها الناس"قال: فأبوا. فقال:"إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني راكب"فأبوا، فثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذه، فنزل، وشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب.
وعن منصور الكلبي أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مِزَّة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك [6] .
6 -وكان - صلى الله عليه وسلم - يعجل الفطر بعد غروب الشمس مباشرة، وكان يفطر قبل صلاة المغرب، وكان يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء، وكان - صلى الله عليه وسلم - يوجه أمته لذلك ويحثهم عليه.
قال ابن عبد البر: (أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة) اهـ [7] .
ومن هذه الأحاديث:
عن ابن أبي أوفى قال: سرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم، فلما غربت الشمس قال لرجل:"انزل فاجدح [8] لنا". قال: يا رسول الله، لو أمسيت. قال:"انزل فاجدح لنا". قال: يا رسول الله، إن عليك نهارا. قال:"انزل فاجدح لنا". فنزل فجدح، ثم قال:"إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم"وأشار بإصبعه إلى قبل المشرق [9] .
(1) رواه مسلم، وهو عند البخاري (1945) دون قوله: (شهر رمضان) .
(2) رواه البخاري (1944) ومسلم (2/ 784) .
(3) رواه مسلم (2/ 785) .
تنبيه: قال ابن دقيق العيد في «الإحكام» :(أخذ من هذا أن كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة، ممن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات، ويكون قوله: «ليس من البر الصيام في السفر» منزلا على مثل هذه الحالة، والظاهرية المانعون من الصوم في السفر يقولون: إن اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ويجب أن تتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن الدالة على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، ولا تجريهما مجرى واحدا، فإن مجرد ورود العام على السبب لا يقتضي التخصيص به، كقوله تعالى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} بسبب سرقة رداء صفوان، وأنه لا يقتضي التخصيص به بالضرورة والإجماع، أما السياق والقرائن: فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه،
وهي المرشدة إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات، فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى، وانظر في قوله - صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر» مع حكاية هذه الحالة من أي القبيلتين هو؟ فنزله عليه) ا. هـ.
(4) رواه مسلم (2/ 786) .
(6) رواه الإمام أحمد (6/ 398) وأبو داود (2405) .
(7) فتح الباري لابن حجر (4/ 234) .
(8) الجدح: تحريك السويق ونحوه بالماء بعود. فتح 4/ 232
(9) رواه البخاري (1956) .