سامي بن محمد بن جاد الله
هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخواني:
إن من الأمور الواجبة على المسلم أن يتعلم هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل عمل من الأعمال الشرعية، وذلك كي يؤدي ذلك العمل على أكمل الوجوه، وكي لا يقع في ما يبطله أو يخل به.
وصلاح كل عمل متوقف على شرطين، هما:
1 -إخلاص النية لله تعالى.
2 -موافقة هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن ذلك أعمال شهر رمضان، من الصيام والقيام والقراءة والاعتكاف وغيرها من الأعمال الصالحات.
وقد جاءت عدة أحاديث تبين لنا هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشهر المبارك، وهذا هو موضوع هذا المقال.
فأما هديه - صلى الله عليه وسلم - في الصيام:
1 -فكان - صلى الله عليه وسلم - يتسحر، وكان يؤخر السحور إلى آخر الليل، وكان - صلى الله عليه وسلم - يحث أمته على تأخير السحور وعلى التسحر بالتمر.
ثبت في"الصحيحين"من حديث زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية [1] .
(فائدة) قال الحافظ في"الفتح" (4/ 164) : (قال المهلب وغيره: ... كانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة .... وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة) أ. هـ
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"تسحروا فإن في السحور بركة" [2] .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نعم سحور المؤمن التمر" [3] .
2 -وكان - صلى الله عليه وسلم - ربما أصبح جنبا، فيغتسل ويصوم.
وعن عائشة وأم سلمة قالتا: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم [4] .
وعنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم [5] .
وعن عائشة أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه _ وهي تسمع من وراء الباب _ فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم"فقال: إنك لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال:"والله، إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" [6] .
3 -وكان - صلى الله عليه وسلم - ربما قبل بعض نسائه وهو صائم.
وعن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه [7] .
وعن عمر بن أبي سلمة أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"سل هذه"لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له" [8] .
(فائدة) قال الشيخ ابن عثيمين ما ملخصه:(القبلة تنقسم إلى ثلاث أقسام:
1 -ألا يصحبها شهوة إطلاقا، فهذه لا تؤثر ولا حكم لها، لأن الأصل الحل.
2 -أن تحرك الشهوة، ولكنه يأمن من إفساد الصوم بالإنزال، فهذه الصحيح أنها جائزة ولا بأس بها.
3 -أن يخشى من فساد الصوم، فهذه تحرم إذا ظن الإنزال) أ. هـ [9] .
4 -وكان - صلى الله عليه وسلم - ربما صب على رأسه الماء وهو صائم.
عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعَرْج [10] يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش _ أو من الحر _ [11] .
5 -وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر تارة يصوم، وتارة يفطر، وتارة يبتدأ الصوم في أول النهار ثم يفطر بعد ذلك، ويبدو - والله أعلم- أن مرجع هذا الاختلاف في الحال اختلاف أنواع السفر ومشاقه.
(1) رواه البخاري (1921) ومسلم (2/ 771) .
(2) رواه البخاري (1923) ومسلم (2/ 770) .
(3) رواه أبو داود (3/ 142) وصححه ابن حبان (3475) .
(4) رواه البخاري (1930) ومسلم (1109) .
(5) رواه البخاري (1925) ومسلم (1109) .
(6) رواه مسلم (1110) .
(7) رواه مسلم (2/ 777) .
(8) رواه مسلم (2/ 779) .
(9) «الشرح الممتع» (6/ 432 - 433) .
(10) قرية بين الحرمين الشريفين.
(11) رواه أبو داود في"سننه" (2357) .