الصفحة 18 من 122

وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً أَيْ: صُلْبَةً لَا تَعِي خَيْرًا وَلَا تَفْعَلُهُ ; وَالْقَاسِيَةُ وَالْعَاتِيَةُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ:"قَسِيَّةً"بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ ; وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالنَّخَعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَالْعَامُ الْقَسِيُّ الشَّدِيدُ الَّذِي لَا مَطَرَ فِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّاتِ أَيِ: الْفَاسِدَةِ الرَّدِيئَةِ ; فَمَعْنَى"قَسِيَّةً"عَلَى هَذَا لَيْسَتْ بِخَالِصَةِ الْإِيمَانِ، أَيْ: فِيهَا نِفَاقٌ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ إِذَا كَانَ مَغْشُوشًا بِنُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ. يُقَالُ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ (مُخَفَّفُ السِّينِ مُشَدَّدُ الْيَاءِ) مِثَالُ شَقِيٍّ أَيْ: زَائِفٍ ; ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَنْشَدَ: (الشَّاعِرُ هُوَ: أَبُو زَيْدٍ الطَّائِيُّ)

لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمِّ السِّلَامِ كَمَا ... صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ

يَصِفُ وَقْعَ الْمَسَاحِي فِي الْحِجَارَةِ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ كَأَنَّهُ مُعَرَّبُ قَاشِي. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهَذَا بَعِيدٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، بَلِ الدِّرْهَمُ الْقَسِيُّ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالشِّدَّةِ أَيْضًا ; لِأَنَّ مَا قَلَّتْ نَقْرَتُهُ يَقْسُو وَيَصْلُبُ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ:"قَسِيَةٌ"بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى وَزْنٍ فَعِلَةٍ نَحْوَ عَمِيَةٍ وَشَجِيَةٍ ; مِنْ قَسَى يَقْسِي لَا مِنْ قَسَا يَقْسُو، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى وَزْنِ فَاعِلَةٍ ; وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ ; وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْعَلِيَّةِ وَالْعَالِيَةِ، وَالزَّكِيَّةِ وَالزَّاكِيَةِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ: أَوْلَى مَا فِيهِ أَنْ تَكُونَ قَسِيَّةً بِمَعْنَى قَاسِيَةٍ، إِلَّا أَنَّ فَعِيلَةً أَبْلَغُ مِنْ فَاعِلَةٍ. فَالْمَعْنَى: جَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ غَلِيظَةً نَابِيَةً عَنِ الْإِيمَانِ وَالتَّوْفِيقِ لِطَاعَتِي ; لِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُوصَفُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْإِيمَانِ فَتَكُونُ قُلُوبُهُمْ مَوْصُوفَةً بِأَنَّ إِيمَانَهَا خَالَطَهُ كُفْرٌ، كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّةِ الَّتِي خَالَطَهَا غِشٌّ. قَالَ الرَّاجِزُ:

قَدْ قَسَوْتِ وَقَسَتْ لِدَاتِي

يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ أَيْ: يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَاوِيلِهِ، وَيُلْقُونَ ذَلِكَ إِلَى الْعَوَامِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَدِّلُونَ حُرُوفَهُ. وَ (يُحَرِّفُونَ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، أَيْ: جَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً مُحَرِّفِينَ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالنَّخَعِيُّ"الْكَلَامَ"بِالْأَلِفِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةَ الرَّجْمِ. وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أَيْ: نَسُوا عَهْدَ اللَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيَانِ نَعْتِهِ. وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ أَيْ: وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت