فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 60

ومما يدرك ببداهة العقول أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن الذي لا يعرف شيئًا عن الأخوة ومقتضياتها لا يمكن مطالبته بذلك، والسبب أنه لم ينشّا على حب إخوانه من البداية، ولم يتربَّ على اكتساب هذه الفضائل ابتداء. فأي عمل قبل أن تتقنه لا بد أن تتربى على فعله وتتدرج في أدائه، وتصبر على تهذيب نفسك، وتتظاهر بالتخلّق، ثم مع الوقت، وبحكم العادة والتكرار - الذي هو أم المهارات- يصير التخلّق كالخلق. فحقيقة التربية هي: (إنشاء الشيء حالا فحالا إلى حد التمام) [1] . وهذه الأحوال ثلاثة، لابد من عبورها للوصول إلى قمة كل شيء:

? الأولى: مرحلة معالجة النفس وحملها على ما تكره، فيقهر نفسه على مذموم خلقها، وينقلها عن لئيم طبعها. وهي أطول المراحل الثلاث. (فإن السالك في أول الأمر يجد تعب التكاليف ومشقة العمل لعدم أنس قلبه بمعبوده، فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت عنه تلك التكاليف والمشاق، فصارت قرة عين له وقوة ولذة) [2] .

? الثانية: مرحلة التذوق، وتبدأ باكتشاف حلاوة ما يفعله الشخص وتذوقه.

? الثالثة: مرحلة الاستمتاع والتلذذ بالعمل. (وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة والتعب أولًا، فإذا صبر عليه وصدق في صبره أفضى به إلى هذه اللذة. قال أبو زيد: سُقْت نفسي إلى الله وهي تبكي، فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك) [3] .

(1) المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف 1/ 169.

(2) ابن القيم في مدارج السالكين 2/ 373.

(3) ابن القيم في طريق الهجرتين 1/ 474.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت