والمخالطة، فكانت دينًا لا دنيا. والآن قد استولى حب الدنيا على القلوب، فإن رأيت متملقًا في باب الدين فاخبُره تقْلِهْ) [1] .
وقد بدا لي أن أكتب في أسباب ضعف هذه العاطفة بين الإخوان، وجعلت البداية من الأحاديث التي وردت في سياق الأخوة، وذلك لاشتمال ألفاظ الحديث على ذكر الداء والدواء، فأغنت عن تفاصيل كثيرة. كما أني اقتصرت من هذه الأسباب على ما عمت به البلوى، وسميتها نواقض الأخوة؛ لأنه لا يتصور تمام حصولها مع هذه النواقض. والله المستعان.
ويجدر التنبيه إلى أن المقصود من كتابة هذه السطور ليس الحديث عن الأخوة التي تربط بين المسلمين جميعا على تباعد أقطارهم وتباين عاداتهم، فهذه أخوة عامة تثبت بمجرد الإسلام، وتترتب عليها حقوق عامة كالتي جاءت في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» . قِيلَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» [2] .
ولكن حديثي ضمن هذه الوريقات مُنصبٌّ على الأخوة الخاصة التي إذا انعقدت بين شخصين كانت لله لا للدنيا [3] ، وتولدت بينهما عواطف خاصة كالحب في ذات الله والبذل فيه - عز وجل - والإيثار على النفس مع الحاجة والخصاصة
(1) ابن الجوزي في صيد الخاطر 1/ 294. قوله: (فاخبُره تقْلِهْ) من القِلى وهو البغض، والمعنى: (جَرِّب الناس فإِنك إِذا جرّبتهم قليتهم وتركتهم لما يظهر لك من بَواطِن سرائرهم) . لسان العرب 15/ 198.
(2) مسند أحمد 14/ 439.
(3) من ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِى قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِى فِى هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لاَ؛ غَيْرَ أَنِّى أَحْبَبْتُهُ فِى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ» . رواه مسلم في صحيحه 8/ 12. (مَدْرَجَتِهِ بفتح الميم والراء أي طريقه، تَرُبُّهَا أي تقوم بإصلاحها وتنهض إليه بسببها) ، الديباج على مسلم للسيوطي 5/ 510.