والحديث عن الغلو وما يتعلق به ليس هذا مكانه. والمقصود هنا الإجابة على تساؤل محدد مفاده: كيف يكون الغلو سببًا للانحراف بعد الاستقامة، والحور بعد الكور؟
إن الغلو انحراف بحد ذاته، وبمجرده. لكنه ليس نهاية المطاف، ولاخاتمة الطريق بل هو عند الكثير من الغلاة خطوة للانحراف في الاتجاه المقابل؛ ذلك أن النفس البشرية مجبولة على الاعتدال، بل الحياة كلها لايمكن أن تستقر خارج دائرة الوسطية، وهي سنة يتجاوب فيها الإنسان مع هذا الكون الفسيح الذي تحكمه قاعدة الوسطية.
وحين تجنح النفس بصاحبها نحو الغلو، ويشدد المرء على نفسه حيث يسر الله عليه، فقد يطيق السير على هذا الطريق برهة من الزمن، لكنه حتمًا سيكل ويسأم ويستطيل الطريق؛ حينها يفكر بجدية في التراجع، لكن تلك الدفعة القوية التي أوصلته إلى التشدد والغلو لن تكتفي بإعادته إلى التوازن والاعتدال، بل تنقله للطرف المقابل: التساهل والتفريط، وبنفس القدر من الانحراف عن نقطة الوسط التي كان عليها قبل ذلك.
ولما كان حرص المرء على العمل الذي يدخله الجنة قد يدعوه إلى أن يشق على نفسه ويشدد عليها ويحملها على مالاتطيق. أخبرهم ز أن دخول الجنة ليس بمجرد العمل وحده بل هو برحمة الله. فقال ز:"لن ينجي أحدًا منكم عمله. قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة. سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا". [1]
وفي الحديث الآخر:"سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدَكم عملُه الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". [2]
(1) - رواه البخاري (6463) ومسلم (2816)
(2) - رواه البخاري (6464) و مسلم (2816)