ولكن لا ينفع ذلك، بل كما ذكر الله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28] كحالهم في الدنيا إذا كانوا في مرض وفي خوف وفي ألم وفي شدة, تمنوا أن يعافيهم الله, ويدعون الله ويتضرعون إليه قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم أنه إذا عفا عنهم فسيفعلون... ويفعلون... من الطاعات ومن التقوى, فإذا مَنَّ الله تعالى عليهم بالنعم وأعطى الإنسان منهم ما كان يتمناه من عافية وخير وصحة, مرَّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه. هذا حالهم في الدنيا, فكذلك في الآخرة لو عادوا إلى الدنيا لنسوا.
لكن المؤمنين المتقين لا يريدون لأنفسهم ذلك, فهم يقولون: لا نريد أن نقول: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] , إنما نقول: قد عملنا واجتهدنا فلم ينفعنا؛ فنكون قد أعذرنا, أي: إذا كان الذي نخاف, وإن كانت الشدة, وإن كان قد أعدَّ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنا ما ليس في حسابنا, وإن كانت هذه الأعمال الصالحات لم تتقبل, وإن كان الخوف أكثر مما نتصور, وإن كانت الأهوال فوق ما كنا نتوقع, وإن كانت منزلتنا عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أقل بكثير مما قد يُخيل إلينا, فإننا سنقول: قد اجتهدنا وبذلنا جهدنا وعملنا, وليس للإنسان إلا ما كتب الله, أما أن نهمل، وأن نفرط، وأن نضيع حق الله تبارك وتعالى, فأقل ما فيها الندم هنالك وتمني العودة, وليس إلى مرد من سبيل, أو إلى خروج من سبيل, فلا ينفع ذلك أبدًا.
حكيم التابعين الحسن البصري