ومن شدة خوفهم من الله أورثتهم شدة الاجتهاد في العبادة, فهذا مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه كما روى عنه ثابت قال: كان يقول: [[يا إخوتاه! اجتهدوا في العمل؛ فإن كان الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه, كانت لنا درجات في الجنة، وإن يكن الأمر شديدًا، لم نقل: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] بل نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك, حتى نعذر إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, ونعذر إلى أنفسنا ]] فكانوا يوصون أنفسهم، ويوصون إخوانهم في الله وتلاميذهم بالاجتهاد، فاجتهدوا في طاعة الله واجتهدوا في العمل، ولا تركنوا إلى أعمالكم ولا إلى أنفسكم ولا إلى ما قدمتم؛ بل اجتهدوا في الطاعات واستكثروا منها ما استطعتم, فإن كان الأمر ما نرجو من رحمة الله وعفوه وما وعد به عباده المؤمنين، فإن ذلك يكون لنا زيادة في درجاتنا, وخير للإنسان أن يكون من أصحاب الدرجات العلى بدل أن يكون من أهل الدرجات الدنيا، فإن يكن الأمر بخلاف ذلك ولا ندري ماذا نفاجأ به لم نقل: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] .
لأن المجرمين والكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا وغرتهم الحياة الدنيا، ولم يكونوا يرجون الله ولا يخافون الآخرة، وغرهم بالله الغرور، ورضوا بالحياة الدنيا كما ذكر الله تبارك وتعالى واطمأنوا بها، هؤلاء يقولون هذا القول: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] يتمنون العودة هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:44] هل إلى خروج من سبيل؟