الصفحة 38 من 98

الأمة حفظها لكتاب ربها، وهو القرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتُك لأبتَلِيَك وأبْتَليَ بك، وأنْزَلتُ عليك كتابًا لا يغسلُهُ الماء، تقرؤهُ نائمًا ويقظانَ) [1] ، قال النووي: (( وأما قوله تعالى: لا يغسله الماء، فمعناه محفوظ في الصدور لا يتطرق إليه الذهاب بل يبقى على مرِّ الأزمان، أما قوله تعالى: تقرؤه نائمًا ويقظان، فقال العلماء: يكون محفوظًا في حالة النوم و اليقظة، وقيل: تقرؤه في يسر وسهولة ) ) [2] ، فقد أخبرنا الحق عز وجل أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، أو تبدَّل، أو تتغير، وإنما محله القلوب، ولذلك لا تأثير لضياع الصحف عليه، كما جاء في وصف هذه الأمة: أناجيلهم في صدورهم، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم إلا في الكتاب، ولا يقرؤونه كله إلا نظرًا لا عن ظهر قلب، فلا عجب والحال كما سمعت أن حفظ القرآن جم غفير من الصحابة.

وهكذا تبين لنا أن جمع القرآن إنما تم بحفظه في الصدور، وكان اعتماد أغلب الصحابة و الرعيل الأول عليه في صدر الإسلام، قال شيخ القراء ابن الجزري: (( إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف و الكتب، أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة ) ) [3] .

المبحث الثاني ـ جمع القرآن بمعنى كتابته:

جاءت كتابة القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في التوثيق،

(1) رواه مسلم في صحيحه: الجنة / 16، ح (2865) ، 4/ 2197.

(2) (صحيح مسلم بشرح النووي) : 9/ 198.

(3) (مباحث في علوم القرآن) مناع القطان: ص/ 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت