الصفحة 81 من 208

السنة. ولم يعرف شرب هذا الدخان إلا في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، بعد أن ظهر في بلاد الإفرنج، وفى أرض المغرب، وبلاد السودان، ثم شاع في بلاد الإسلام.

وقد اختلفت كلمة الفقهاء في بيان منافعه ومضاره منذ ظهوره واستعماله في البلاد الإسلامية ففريق ذهب إلى أنه يحتوي على فوائد كثيرة، منها على سبيل المثال، ما قاله أحدهم: انه يهضم الطعام، ويطفىء السموم، ويقتل الديدان في المعدة، ويسهل خروج البلغم، ويسخن الرأس والجسد، ويخفف الزكام، ويقوي الهمة، ويسهل خروج الفضلة بسرعة.

أما الفريق الآخر فيرى- كما نقله عن الأطباء والحكماء في عصره- أن شرب الدخان يحدث في ابتدائه بعضا من المنافع في البدن، حتى يداوم عليه فيحدث الغشاوة في البصر، والثقل في الأعضاء والإمساك في الهاضمة وقال بعضهم إنه حار يابس معطش مجفف، مضر للقلب والدماغ، ويورث الخفقان، ويغلظ الدم.

ومن هنا تضاربت آراء الفقهاء واختلفت كلمتهم وترددت أحكامهم بين الإباحة، والكراهة، والمنع والحرمة والأصل في ذلك اختلافهم في الحكم على أصل الأشياء، فمنهم من قال: إن الأصل فيها الحرمة إلا مادل دليل الشرع على إباحته، ومنهم من رأى ان الأصل فيها الاباحة إلا مادل الشرع على حرمته. والفريق الثالث: يرى التفصيل بين المضار والمنافع، فالأصل في المضار الحرمة، والأصل في المنافع الاباحة.

وعلى ذلك: فمن رأى منهم ان شرب الدخان له فوائد في نظره قال بإباحة شربه، بناء عن ما فيه من منافع. أما من ثبت لديه ضرره وعدم نفعه حكم بحرمته، ومنهم من اضطرب في أمره وتردد بين منفعته وضرره فقال بكراهته. ومنهم من رأى ان في شربه إسرافا لأنه يشترى بثمن غالى فيدخل في الاسراف المحرم، مع نتن رائحته وأذيته، خاصة لمن يشربه، فحكم بحرمته.

وهكذا نجد أن كلمة الفقهاء لم تتفق على حكم شرب الدخان، حيث أنه لم يثبت لديهم على وجه القطع واليقين ما يترتب عليه من أضرار محققه أكيدة، كما أنه ليس هناك دليل او نص شرعي يقضى بحرمته أو كراهته.

وقد أوجز هذه الآراء وجمعها أحد العلماء فقال: أنه مباح، كما في"رد المحتار"لابن عابدين الحنفي. وقد أفتى بحله من يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة، كما نقله العلامة الأجهورى في رسالته. وجرى على هذا العلامة عبد الغنى النابلسى الحنفي في رسالته التى ألفها في حله، فقال: انه لم يقم دليل شرعى على حرمته وكراهته، ولم يثبت إسكاره أو تفتيره بعامة الشاربين حتى يكون حرامأ او مكروها تحريما، فهر يدخل في قاعدة:"الأصل في الأشياء الاباحة". وفي"الأشباه"عند الكلام على قاعدة"الأصل في الأشياء الاباحة أو التوقف"، ان أثر ذلك يظهر فيما أشكل أمره، ومنه الدخان. وفي"رد المحتار"لابن عابدين: أن في إدخاله تحت هذه القاعدة إشارة الى عدم إسكاره وتفتيره وإضراره كما قيل،

وإلى أن حكمه دائر بين الإباحة والتوقف والمختار الأول لأن الراجح عند جمهرر الحنفية والشافعية، كما في"التحرير"، أن الأصل الاباحة، إلا أنه كما قال العلامة الطحطاوي (( يكره تعاطيه كراهة التحريم لعارض، ككونه في المسجد، للنهي الوارد في الثوم والبصل. وهو ملحق بهما، وكونه حال القراءة، لما فيه من الإخلال بتعظم كتاب الله تعالى ... إلى أن قال:"والكراهة لعارض، لأننا في حكم ألاباحة في عامة الاحوال"وقول العمادي بكراهة استعمال الدخان، محمول- كما ذكره أبو السعود- على الكراهة التنزيهية. وقول الغزى الشافعي بحرمته قد ضعفه الشافعية أنفسهم، ومذهبهم أنه مكروه كراهة تنزيه إلا لعارض، والكراهة التنزيهية تجامع الإباحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت