الصفحة 4 من 9

فرب شخص يصلح على خشونة العيش، وآخر لا يصلح على ذلك، ولا يجوز لأحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو، غير أن لنا ضابطًا هو الشرع، فيه الرخصة وفيه العزيمة. فلا ينبغي أن يلام من حصر نفسه في ذلك الضابط.

ورب رخصة كانت أفضل من عزائم لتأثير نفعها.

ولو علم المتزهدون أنَّ العلم يوجب المعرفة بالله تعالى، فتنبت القلوب من خوفه، وتنحل الأجسام للحذر منه فوجب التلطف حفظًا لقوة الراحلة، ولأن آلة العلم والحفظ: القلب والفكر، فإذا رفهت الآلة جاد العمل، وهذا أمر لا يعلم إلا بالعلم.

فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا، وظنوا أن المراد إتعاب الأبدان، وإنضاء الرواحل، وما علموا أن الخوف المضني يحتاج إلى راحة مقاومة، كما قال القائل. روحوا القلوب تعي الذكر) [1] .

وعلى القارئ لإحياء علوم الدين أن يقارن كلام الإمام الغزالي رحمه الله بعضه ببعض، فكما حذَّر من الدُّنيا وزهَّد فيها، فقد حثَّ على الاعتدال في أمر الدُّنيا، وأن لا يتركها العبد بالكلية، فقد قال بعد أن ذكر طوائف الناس ومذاهبهم الفاسدة في الدُّنيا: (وإنما النَّاجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو أن لا يترك الدُّنيا بالكلية، ولا يقمع الشهوات بالكلية. أما الدُّنيا فيأخذ منها قدر الزاد، وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل. ولا يتبع كلَّ شهوة، ولا يترك كلَّ شهوة، بل يتبع العدل. ولا يترك كلَّ شيء من الدُّنيا، ولا يطلب كلَّ شيء من الدُّنيا، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدُّنيا ويحفظه على حدِّ مقصوده. فيأخذ من القوت ما يقوي به البدن على العبادة، ومن المسكن ما يحفظ عن اللصوص والحر والبرد، ومن الكسوة كذلك، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بكنه همته، واشتغل بالذكر، والفكر، طول العمر، وبقي ملازمًا لسياسة الشهوات، ومراقبا لها، حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى. ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية وهم الصحابة، فإنه عليه السلام لما قال:(الناجي منها واحدة) قالوا يا رسول الله (ومن هم) قال: (أهل السُّنَّة والجماعة) فقيل (ومن أهل السُّنَّة والجماعة) قال: (ما أنا عليه وأصحابي) . وقد كانوا على النهج القصد، وعلى السبيل الواضح الذي فصلناه من قبل، فإنهم ما كانوا يأخذون الدُّنيا للدنيا بل للدين، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدُّنيا بالكلية، وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط، بل كان أمرهم بين ذلك قواما، وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين، وهو أحب الأمور إلى الله تعالى).

والمقارنة بين الإحياء وصحيح البخاري ومسلم مقارنة غير صحيحة، فالإحياء من كتب إصلاح النفوس وتزكيتها، وأما صحيح البخاري ومسلم فمن متون السُّنَّة النبويَّة، ويمكن المقارنة مثلًا بين الإحياء ومدارج السالكين.

الإطار الذي تقرأ فيه كتب التراث، «إحياء علوم الدين» نموذجًا:

إنَّ كتب التراث على تنوُّعها واختلاف موضوعاتها، وما يثور حولها من جدل واختلاف ينبغي أن تقرأ في إطار الحقائق التالية:

(1) ـ صيد الخاطر: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت