ويقول: نحن نعدُّ الإسلام أسمى من سائر النُّظُم المدنية؛ لأنه يشمل الحياةَ بأسرها، إنَّه يهتم اهتمامًا واحدًا بالدنيا والآخرة، وبالنفس والجسد، وبالفرد وبالمجتمع، إنَّه لا يهتمُّ فقط لِمَا في الطبيعة الإنسانية من وجود الإمكان إلى السمو؛ بل يهتمُّ أيضًا لِمَا فيها من قيود طبيعية.
إنَّه لا يحملنا على طلب المحُال، ولكنَّه يَهدينا إلى أن نستفيد أحسنَ الاستفادة ممَّا فينا من استعداد، وإلى أن نصلَ إلى مستوى أسمى من الحقيقة، حيث لا شِقاقَ ولا عداءَ بين الرأي وبين العمل، إنه ليس سبيلًا بين السُّبُل، ولكنَّه السبيل.
وإنَّ الرجل الذي جاء بهذه التعاليم ليس هاديًا من الهُداة، ولكنَّه الهادي، فاتِّباعه في كلِّ ما فعل وما أمر، اتِّباعٌ للإسلام عينِه، وأما اطراح سُنَّته، فهو اطراح لحقيقةِ الإسلام.
ويقول أيضًا: ومِن بين سائر الأديان نجدُ الإسلامَ وحدَه يُتيح للإنسان أن يتمتَّع بحياته الدنيا إلى أقْصى حدٍّ، من غير أن يضيع اتجاهه الرُّوحي دقيقةً واحدة، وهذا يختلف كثيرًا عن وجهة النظر النصرانية.
إنَّ الإنسان - حسبَ العقيدة النصرانية - يتعثَّر في الخطيئة الموروثة التي ارتكبَها آدم وحواء، وعلى هذا تُعتبر الحياةُ كلُّها في نظر العقيدة على الأقلِّ - واديًا مظلمًا للأحزان.
إنَّها الميدان الذي تعترك فيه قوَّتان: الشرُّ المتمثل في الشيطان، والخيرُ المتمثل في المسيح، إنَّ الشيطان يحاول بواسطة التجارب الجسدية أن يسدَّ طريقَ النفس الإنسانية نحوَ النور الأزلي، إن النفس مِلْك المسيح، ولكن الجسد ملعبٌ للمؤثِّرات الشيطانية، وقد يمكن التعبير عن ذلك بوجه آخر: إنَّ عالم المادة شيطاني في أساسه، بينما عالَم الرُّوح إلهي خير، وإنَّ كل ما في الطبيعة الإنسانية من المادة؛ أي: الجسد - كما يُؤثِر اللاهوت النصراني أن يدعوه - فإنَّما هو نتيجة مباشِرة لزلَّة آدم، حينما سَمِع نصيحةَ الأمير الجهنمي للظُّلمة والمادة؛ يعني: إبليس.
من أجل ذلك كان حتمًا على الإنسانِ عندَهم إذا شاء أن يلفتَ قلبُه عن عالم اللَّحْم إلى هذا العالَم الرُّوحي المقبِل، حيث تَحُلُّ الخطيئة بالبشرية بتضحية المسيح؛ أي: بفداء المسيح.
أمَّا في الإسلام، فإنَّنا لا نعلم عن خطيئة أصلية موروثة، من أجْلِ ذلك ليس ثَمَّة أيضًا غفرانٌ شامل للإنسانية فيه.
إنَّ المغفرة والغضب أمران شخصيان.
إنَّ كلَّ مسلِم رهينٌ بما كسب، فهو يحمل في نفسه جميعَ وجوه الإمكان للنجاة الرُّوحية، أو للخيبة الرُّوحية، ولقد قال القرآن الكريم في النفس الإنسانية {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] ، وقال في موضع آخر: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النّجْم: 39] .