الصفحة 52 من 114

من عدَّة سنين خلتْ كان أحدُ أفكاري الرئيسة هو: كيف يمكن الإسلام أن يتغرَّب (يصبح غربيًّا) ، حتى يُمارسَ بالأمم الأوربية؟ أو بعبارة أخرى: كيف يمكننا نحن - معشرَ الغربيِّين - أن نُعِد أنفسنا لنكتبَ ونفقهَ معنى الإسلام الحقيقي؟ ثم تَلاَ ذلك فكرٌ آخرُ، وهو: كيف أنَّنا لم نشكَّ من جنسية المسيح الذي نعتقد أنه كان آسيويًّا محضًا؟ كانت أمُّه العذراء مريم آسيوية، وكان موسى، وكلُّ الأنبياء الموحَى إليهم شرقيِّين، وكان النبي الكريم محمد شرقيًّا مثل الآخرين، وأنزلت عليه الشريعة من الله؟

فالقرآن هو مِن كلام الله - عزَّ وجلَّ - كما كان الإنجيل وباقي الكتب المنزلة الأخرى، وهو - القرآن - يُثبِّت ويُحق الكتبَ المقدَّسة الأخرى، والوحي السابق.

القرآن يُضيف تعاليمَ أخرى تؤكِّد أهمية تلك التعاليم الماضية، وفوق ذلك فهو يُحرِّم كل نكهات العبادة الوثنيَّة، ورُوح الوحي هو ألاَّ يقترن اسمُ الله القوي العليم الرحيم بأيِّ اسم آخر.

رُوح الشكر هي خلاصة الدِّين الإسلامي، والابتهال أصلٌ في طلب القيادة والإرشاد مِن الله.

إنَّه وإن كان شكري لله على كَرمِه وعنايته كان متأصلًا فيَّ منذ صِغري وأيام حداثتي، إلاَّ أنني لا أستطيع أن أشاهدَ ذلك من خلال السنين القليلة الماضية التي قَرَع فيها الدِّين الإسلامي لبِّي حقًّا، وتملَّك رشدي صدقًا، وأقنعني نقاؤه، وأصبح حقيقةً راسخة في عقلي وفؤادي، إذِ الْتقيت بسعادة وطُمأنينة ما رأيتُهما قطُّ من قبل، ونجوتُ من العقائد الغريبة المتعلِّقة بسائر فروع الكنيسة المسيحية المختلفة، واستنشقتُ تلك النجاة، كما أستنشق هواءَ البحر الخالص النقي، وبتحقُّقي من سلاسة وضياء وعظمة الإسلام ومجدِه أصبحتُ كرَجلٍ قفز من سِرْداب مظلِم إلى فسيح من الأرض تضيئه شمسُ النهار.

عندما قررت نهائيًّا أنه لا يمكن الحصول على أيِّ راحة من التعليمات الكهنوتيَّة أتتني فكرةٌ بأنه من المؤكَّد أنَّ الله يلاحظ ويُدبِّر كلَّ إرادة، وكلَّ حركة وعمل، إنه يفعل ذلك حقًّا، إلاَّ أنَّ التعليماتِ الموجودةَ من صحائف القرآن مكَّنتْني من أن أفقه معنى تلك الفِكرة المريحة راحةً عجيبة بطريقة كانت تستحيل عليَّ سابقًا.

دمَّر التعصُّبُ الدِّيني الأعمى الكنائسَ المسيحية في تنافسها، إلاَّ أنَّ ذلك لا يمكن أن يُقال عن الإسلام الذي هو كتلة متحدة، فما أحسنَ ذلك إذا كنَّا نحن - معشرَ الغربيِّين - نهجُر في هذا الوقت تلك الأصنافَ الدينية الملبكة، ونتخذ الدِّين الإسلامي! إني لأعتقدُ اعتقادًا راسخًا أنه إذا كُلِّف أحسنُ الأذهان، وأنبهُ العقول الأوربية بالبحث عن دِينٍ مبنيٍّ على الاعتبارات الدنيوية والعقلية، ولا يخرج عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت