الصفحة 10 من 114

الشريعة الخالدة

إن الله - تعالى - قد حفظ شريعة الإسلام عن الانقراض، فصمدت رغم مكايد الزنادقة والملحِدين وسَلِمت من التحريف والتبديل الذي وقع في الشرائع قبلها، وكل مَن رام تحريفًا أو عبثًا كشف أمره، وآب بالخسران المبين.

وكان من فضل الله على عباده بعد إكمال دينه أن ضَمِن لهم حفظ كتابه هذا من التحريف والتبديل والنسيان والزيادة والنقصان فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجر: 9] ، وعصم أمة محمد خاتم النبيين أن تضلَّ كلها عنه كما ضلَّت الأمم قبلهم، فإن كان - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر بما أطلعه الله عليه من مستقبلها أنهم سيتَّبعون سنن من قبلهم من اليهود والنصارى فقد أخبر أيضًا بأنه لا بُدَّ أن يبقى بعضهم على الحق؛ ليكونوا حجة الله على خلقه؛ فقال - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ) )؛ رواه أحمد والبخاري ومسلم عن المغيرة، ورواه الحاكم عن عمر بسند صحيح على شرط مسلم بلفظ: (( لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة ) )، وابن ماجة عن أبي هريرة بلفظ: (( لا تزال طائفة من أمَّتي قوَّامة على أمر الله لا يضرُّها مَن خالفها ) )؛ وهو صحيح أيضًا، وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعًا: (( لن يبرح هذا الدين قائمًا يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ) ) [1] .

وقال النووي في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ) ): يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعدِّدة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وزاهد وعابد ولا يلزم أن يكونوا مجتمِعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قُطْر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز إخلاء الأرض من بعضهم أولًا فأولًا، إلى أن لا يبقي إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله، اهـ. ملخصًا مع زيادة فيه، قاله الحافظ.

(1) -"الوحي المحمدي"؛ لمحمد رشيد رضا، ص 194.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت