وبعد، فهذا غيض من فيض، فالطبعتان بهما قصور في كثير من المواضع، ومع ذلك تلقاهما الباحثون بالرضا والقبول الحسن، ولا نعلم كتابًا يبلغ أهمية كبيرة في المكتبة النحوية ككتاب سيبويه؛ فمن ثَمّ ما أشد حاجتنا اليوم إلى العناية به، وتخليص متنه مما علق به- سهوًا أو عمدًا - من زيادات وتعليقات ليست منه! لعلها كانت وراء اختلاف العلماء في النقل عن سيبويه وتحديد رأيه في المسائل النحوية، بل نسبة أراء نحوية إليه لم يقل بها الرجل، فهي لنحوي أو لآخر ممن علّقوا على الكتاب أو شرحوه.
وإذا كان الأستاذ عبد السلام هارون- رحمه الله- قد بذل جهدًا مشكورًا في تحقيق الكتاب وإخراجه للمكتبة العربية، فلا يزال الكتاب بحاجة إلى تحقيق جديد أكثر دقة، يجمع ما يستطيع من نسخ الكتاب وشروحه، ويلتزم منهجًا علميًا في الترجيح بين الروايات، وفي تحقيق نصوص الكتاب وشواهده، ويفصل الحواشي والتعليقات عن المتن، ويحاول - جاهدًا - نسبتها إلى أصحابها، ويفسر ما غمض من عبارات الكتاب، إلى غير ذلك من الأهداف المتوخاة في تحقيق هذا الكتاب العمدة في الدراسات النحوية واللغوية.
ولا يخفى على كل ذي نظر أو مُسْكة وروية، أن هذا العبء لا يمكن أن ينهض به فرد واحد مهما وهبه الله من رجاحة عقل، ونفاذ بصيرة، وقوة عزيمة، وفضل وقت، وطول صبر، فالأستاذ عبد السلام هارون أوتي قدرًا كبيرًا مما ذكرته آنفًا، ولم يسلم تحقيقه من القصور، على الرغم من جلالة قدره وطول باعه في ميدان التحقيق، تشهد بذلك تصانيفه التي أتحف بها المكتبة العربية. وكان شيخنا الدكتور محمود محمد الطناحي- رحمه الله - كثير الثناء عليه، ويعده من جلة المحققين، وأئمة المدققين. فلا سبيل إذن إلى تحقيقه تحقيقًا علميًا دقيقًا إلا بإسناده إلى لجنة علمية سبرت أغوار المكتبة النحوية، وأوقفت حياتها على خدمة التراث اللغوي، ونذرت لله أن ترفع لواء العربية فوق ربى الدنيا بإخلاص ويقين.