ثم كيف كفر النجديون أخلاطًا من الناس منهم الواقع في شرك متأول فيه، ومنهم المبتدع ومنهم الواقع في مسألة اختلف فيها العلماء، على أن مجرد التبرك بآثار الصالحين ليس من الشرك في شئ، وقصد قبورهم للدعاء عندها لكونا أماكن مباركة قد وقع فيها أئمة كبار ومحدثون من أهل السنة والحديث والأثر. فكم من ترجمة في «سير أعلام النبلاء» للحافظ الذهبي، وفي غيرها من كتب المحدثين السابقين له ختمت بقولهم: ودفن في مكان كذا والدعاء عند قبره مجاب.
و روى أبو عبد الرحمن السلمى في «طبقات الصوفية» عن الحافظ أبي إسحاق الحربي، أحد كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، وأئمة السنة المعروفين، قوله: «قبر معروف الترياق المجرب» . أي أن الدعاء عند قبر معروف الكرخي دواء مجرب لإجابة الدعاء.
و قد كان مالك، رحمه الله، من أشد الناس في مسألة مشاهد الصالحين وآثارهم، لكن أحمد كان لينًا في ذلك كأنه مال لفعل ابن عمر، ومالك رجح مذهب أبيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع، وفيه سد للذرائع واحتياط للتوحيد.
و جاء في ترجمة الحافظ أبي بكر بن المقرئ الأصبهاني، الجوال السني، أنه لما انقطعت به السبل مع أصحابه في الرحلة وكانوا في مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقصد القبر الشريف وقال: يا رسول الله! الجوع! وأشار إلى بطنه. فرأى أمير المدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام يأمره بالإنفاق على أولئك المحدثين.
و القصة مذكورة في ترجمة هذا الإمام في «تذكرة الحفاظ» و «سير أعلام النبلاء» .